Miroirs No.3: اللطف وصورته المعكوسة
Miroirs No.3: اللطف وصورته المعكوسة
مانوهلا دارغيس- نيويورك تايمز
Tuesday, 24-Mar-2026 06:33

في الفيلم الجديد الرائع للمخرج الألماني المرموق كريستيان بيتسولد («باربارا»)، تستيقظ امرأة على الحياة بعد حادث. بعد وقت قصير من افتتاح «ميروار رقم 3» الرقيق والكاشف بهدوء، تنحرف سيارة يقودها رجل وامرأة بعنف عن طريق ريفي. يموت هو، لكنّها تنجو وتمضي مبتعدة نحو حياة جديدة. لا تعرف بعد هذَين الشخصَين، لكنّ الحادث مزعج بطبيعته، والتبايُن بين الطابع الرعَوي للمكان وعنف هذا الحادث المألوف للغاية في عصرنا، لافت للنظر. وقد يجد عشاق سينما الفن الأوروبية الكلاسيكية، أنّ أنظارهم تنجذب للحظة إلى السيارة المكشوفة الحمراء للثنائي، التي تستحضر السيارة الرياضية بلون الكرز التي لعبت دوراً مميتاً مماثلاً في فيلم Contempt الصادر عام 1963 للمخرج جان-لوك غودار.

كانت لورا (باولا بير)، طالبة موسيقى، في رحلة مع صديقها ياكوب (فيليب فرويسان) عندما تسبَّب بحادث قاتل للسيارة المكشوفة. الشخص الوحيد الآخر في المنطقة هو بيتي (باربارا آور)، امرأة أكبر سناً تعيش بمفردها في كوخ قريب وتسمع الحادث. بعد إلقاء نظرة سريعة، ترافِق بيتي لورا بعناية إلى الكوخ. هناك، يأخذ رجال الشرطة إفاداتهما، ويعتني مسعف بلورا التي لم تُصَب سوى بجروح طفيفة. وعندما تسأل لورا إن كان بإمكانها البقاء معها، توافق بيتي المتفاجئة، في فعل لطف سيقلب حياة كلتَيهما بشدة وبطريقة مؤثرة.

 

«ميروار» هو أحدث أعمال بيتسولد، الذي يُحِب أن يملأ أفلامه بالازدواجيات، وهو موضوع يتجلّى من خلال هويات منقسمة وكذلك علاقات ومواقف مزدوجة (ومتصارعة). حتى إنّ اثنتَين من الممثلات اللواتي عمل معهنّ كثيراً، تبدوان متشابهتَين بما يكفي ليُعتقد أنّهما قريبتان: بير ونينا هوس، نجمة دراماه التاريخية «باربارا» (2012). وقد يكون لهذا التضاعف معنى سيرة ذاتية بالنسبة لبيتسولد، الذي وُلد عام 1960 في ما كان يُعرف بألمانيا الغربية لأبوَين هاجرا من ألمانيا الشرقية. وعندما سقط جدار برلين عام 1989، كان بيتسولد في مدرسة السينما، حيث التقى طلاباً آخرين أصبحوا معاً يُعرفون بمدرسة برلين.

 

يُعدّ بيتسولد معجباً كبيراً بفيلم «فيرتيغو» (1958) للمخرج ألفريد هيتشكوك، وهي مأساة عن حُب محكوم عليه بالفشل، وواحدة من هواجس عشّاق السينما، إذ يحاول جيمس ستيوارت بشكل مهووس تحويل معرفة جديدة (كيم نوفاك) إلى نسخة من حبيبته المتوفاة (أيضاً نوفاك). في عام 2003، عندما سُئل بيتسولد عن العلاقة بين فيلمه «فولفسبورغ» وهذا العمل لهيتشكوك، أجاب ضاحكاً: «أنا في الأساس أفكّر دائماً في فيرتيغو»، وشاهد فيلم هيتشكوك ما يقارب 50 مرّة، لذا ليس من المستغرب أنّه لا يزال يحتفظ بتأثير قوي عليه، بما في ذلك في «ميروار».

 

كوخ بيتي ملاذ مشرق ومتجدِّد الهواء، وكذلك أسلوبها الهادئ والمفعم بالاهتمام. تمنح غرفتها المغمورة بالضوء للورا، التي، بعد نوم طويل وعميق، تستيقظ وكأنّها استعادت عافيتها، أشبه بأميرة في حكاية خرافية تستفيق من تعويذة. كان هناك شيء حالم بشكل واضح منذ بداية الفيلم، الذي افتُتح في برلين بلقطة لورا وهي تقف بصمت أمام نهر، وكأنّها تفكّر في القفز. بملامحها الهادئة القريبة من النعاس، بدت حزينة، بل مكتئبة. أمّا الآن، فتبدو وكأنّها استيقظت للحياة من جديد بسهولة، كما يحدث غالباً مع الناجين من تجارب صادمة.

 

من خلال مشاهد طبيعية هادئة وغير متعجّلة لا تنزلق أبداً إلى الترهل، يتتبّع السرد لورا خلال فترة إقامتها. تعطيها بيتي بعض الملابس التي تلائمها تماماً. كما تُعرّفها إلى زوجها ريتشارد (ماتياس برانت) وابنهما ماكس (إنو تريبس)، وهما ميكانيكيان فظّان قليلَا الكلام يعيشان ويعملان في الجوار، لكنّهما يظلان مرتبطين ببيتي ارتباطاً وثيقاً. يُخيّم شيء غير منطوق على هؤلاء الثلاثة كضباب، ما يضفي على تفاعلاتهم مسحة من الغموض. وتظل أسباب القلق غير مفسّرة لبعض الوقت، حتى بينما يضغط الماضي بثقله، موجّهاً مسار الحكاية ومغذياً توترها الخافت.

 

مع مرور الوقت، تتضح خلفية لورا وخلفية العائلة وسط لحظات يومية وأخرى غريبة بعض الشيء. تساعد في الأعمال المنزلية وتطبخ الزلابية، وهو طبق تحب إعداده، ويتبيّن أنّه المفضّل لدى ماكس وريتشارد. يواصل الأب والابن النظر إلى لورا بريبة واضحة، لكنّ الجميع يتعايشون، ما يخلق إحساساً بمجتمع يشبه العائلة. ويبدو أنّ وجود لورا له تأثير صحي على علاقة بيتي وريتشارد. ومع تقاربهما الظاهر، تنشأ بين لورا وماكس ملامح غزل خفيف، يأخذ منعطفاً مفاجئاً عندما يفلت منه قولها إنّها ليست أخته.

 

لورا ليست كذلك، لكنّ الكشف اللاحق عمّا هي عليه وما تمثله لنفسها وللعائلة ينقل «ميروار» إلى مستوى جديد أكثر عمقاً وعاطفية ومشحوناً بالأسى. لقد أعادتها إقامتها لدى بيتي إلى حالتها الخارجية، بما يكفي لتبدأ بالعزف على البيانو في الكوخ. كانت ابنة بيتي تعزف البيانو أيضاً، وهي صحابة الملابس التي ترتديها لورا. وكما في بطل «فيرتيغو» المعذب، تبدو بيتي وكأنّها تُعيد تشكيل لورا على صورة امرأة أخرى، إلّا أنّ بيتسولد لا ينسخ فيلم هيتشكوك بقدر ما يقدِّم تنويعاً ملهماً عليه.

 

هذه الإحالات السينمائية مغرية لعشّاق الأفلام، وبينما يسعد التأمُّل فيها، فإنّها منسوجة بدقة في السرد، فلا تُشتِّت الانتباه عن الشخصيات أو العاطفة، ولا تنزلق إلى استعراض إخراجي ذكي. ويجدر بالذكر هنا أنّ غودار كان يرغب في اختيار نوفاك للدور الذي أدّته بريجيت باردو في «الاحتقار»، تذكيراً صغيراً بكيفية قيام الرجال بتغيير النساء واستبدالهنّ، على الشاشة وخارجها. وعلى النقيض، في «ميروار رقم 3» فإنّ بيتي ولورا هما مَن تنفتحان على بعضهما البعض بلطف وإحسان، وتُغيِّران حياتهما. يُحِب بيتسولد الحفاظ على مسافة نقدية معينة على الشاشة، لكنّه يعرف كيف يلامسك حتى الدموع.

theme::common.loader_icon