شيخ العقل: لا خلاص من المحنة إلا بالتضامن الوطني
شيخ العقل: لا خلاص من المحنة إلا بالتضامن الوطني
Friday, 20-Mar-2026 11:41

اعتبر شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي ابي المنى "اننا اليوم أمامَ تحدِّي الحفاظِ ‏على لبنان الكبير، باستكمالِ تطبيقِ اتفاق الطائف، ليكونَ خشبةَ خلاصٍ لوحدة بلادِنا وحمايةِ استقلالِها، ولتكونَ ‏الدولةُ مِظلّةَ الجميع"، مؤكدا أنّ "لا خلاصَ للبنانَ إلَّا بوحدة أبنائه والتزامِهم الوطني، علَّه يتمكّنُ من تجاوزِ ‏المحنةِ وإعادةِ إعمارِ ما تهدَّمَ من بناء، وترميمِ ما تزعزعَ من ثقة".‏

 

كلام الشيخ ابي المنى جاء في خطبة عيد الفطر في مقام الأمير السيد عبدالله التنوخي، بعد الصلاة ‏صبيحة العيد، بمشاركة مشايخ من الطائفة، وفاعليات روحية واجتماعية واعضاء من المجلس المذهبي، ومن ‏إدارتي المجلس ومشيخة العقل والمستشارين.‏

 

وجاء في خطبته: "نُودِّعُ وإيَّاكم شهراً هو عند الله أفضلُ الشهور وأعظمُها فضلاً، بما يختزنُه من معانٍ سامية، وما يُتيحُه من فرصٍ ‏للعودةِ إلى الذات والقرب منَ الله سبحانه وتعالى، إذ هو شهرُ نزولِ القرآن الكريم، بما فيه من آياتٍ لهداية الناس ‏وخلاصِهم: "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ"، وشهرُ الصوم ‏والصبرِ واختبارِ النفس والاندفاعِ لعمل الخير وكسبِ الأجر وعيشِ التقوى، لما في الصيامِ من فضائلَ أرادها اللهُ ‏للمسلمين من قبل ومن بعد: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ". ‏في صباح العيد كم يطيبُ الدعاءُ والاستغفار، وكم يحلو القيامُ بعمل الخير والحسنات وفعلِ الزكاة، لنقومَ بعدَها ‏بأداء فريضة الصلاة، وكأنّ ما نُقدِّمُه باكراً من دعاءٍ وزكاةٍ هو الأوجبُ والأولى للتقرُّب منه تعالى، يليه فعلُ ‏صلاةِ العيد التي هي طقسٌ من طقوسِه المبارَكة، تجمعُ المؤمنينَ وتؤلِّفُ قلوبَهم وتُقرِّبُ المسافاتِ بينهم، وفي هذه ‏وتلك فرصةٌ للمرءِ، عليه ألَّا يُفرِّطَ بها، بل هي منحةٌ من الله تعالى لتنقيةِ الإيمان وتقويتِه، ولتجديدِ العزمِ والإرادةِ ‏للصعود والارتقاءِ إلى حيثُ رضا الله تعالى والعيشُ الآمنُ في كنَفِه". إنَّه العيدُ يُشرقُ من جديد، بالرغم من ‏الأسى والتّهديد، وها هي المناسباتُ تُطلُّ وتتوالى، وبوارقُ الأملِ تَلمعُ وتَسطع؛ من ميلادٍ مجيد ومولدٍ سعيد، إلى ‏صيامٍ وفطرٍ وصومٍ وفصح، وإلى ذِكَرٍ وأعيادٍ دينيةٍ وإنسانيةٍ ووطنية تُلامسُ شَغافَ القلب والوجدان، وكأنها ‏جميعُها تُطلقُ النداءَ تلوَ النداءِ للّبنانيين أنِ اتَّحدوا وأَحِبُّوا بعضَكم بعضاً، ولا تُفسحوا المجالَ بين حدَثٍ وحدَث ‏مهما كبُر، وبين عيدٍ وعيد أينما أطلّ، لأيّ خرقٍ أو خلاف، ولأيّ تراجعٍ عن عهد الأملِ والسلام، وعن مسيرة ‏الإصلاحِ والإنقاذ".‏

 

واضاف: "في لبنانَ الوطنِ الجامعِ، تتلاقى الأفئدةُ وتتعانقُ الساحات، وأينما اجتمعَ اللبنانيُّون للتعبير عن طموحاتِهم ‏أو لإحياء مناسباتِهم، فهم يَحمِلون رسالةَ لبنان، وقد زرعْنا‎ ‎إلى جانبِها بالأمس القريب، معَ قداسة البابا، شجرةَ ‏الزيتون المبارَكة، وآلينا على أنفسنا أن نتعهَّدَ الرسالةَ والشجرةَ بالرعاية والعناية، لتُثمرَا ثمارَ محبةٍ ورحمة،‎ ‎ومفاهيمَ أُخوّةٍ وسلام، وعيشاً واحداً مشترَكاً، وإرادةً وطنيةً موحَّدة، فننتصرَ جميعُنا في مُهمّة بناءِ الدولةِ وحفظِ ‏الوطن. إنَّ عمليةَ بناءِ الوطن تَبدأُ ببناء المواطن، بناءً قائماً على صدقِ الإيمان بالله وصدقِ الولاء للوطن، حيث تلتقي ‏صلاةُ الفرد منّا بصلاةِ الجماعة، ويتعانقُ عملُ الداخل معَ اهتمامِ‎ ‎الخارج، في مُهمّةٍ روحيّةٍ ووطنيّة؛ تُرسِّخُ علاقةَ ‏الإنسانِ المؤمنِ بخالقه، وتؤلِّفُ بين ما يَبذُلُه الفردُ والمجموعاتُ من قلبِ الدولة والمؤسسات معَ ما يُقدِّمُه الخارجُ ‏من اهتمامٍ ومساندة، فيتكاملُ ارتقاءُ المُواطنِ معَ تقدُّم الوطن، ويتجلّى معنى التنوُّعِ في الوحدة، ومعنى الزيتونةِ ‏اللبنانيةِ اللاشرقيةِ واللاغربية، الراسخةِ جذورُها في أرض الآباء والأجدادِ، والممتدةِ أغصانُها في كلِّ اتّجاه".‏

 

وتابع أبي المنى: "إنّ ساحةَ البلاد وساحاتِ المِنطقة أصبحت مَيدانَ صراعٍ لا نرى له نهايةً في الأمد ‏القريب، والحربَ الأخيرةَ، بعدوانيَّتِها وقساوتِها وفداحةِ تأثيرِها وخطورتِها، كشفت عن كمٍّ هائلٍ من التناقضِ ‏والهواجسِ والاختلاف في كيفيّة التعاملِ معها، ولكنّ الجميعَ مُجمِعون، بالرغم من ذلك، على أنّ كلَّ هذا التناقضِ ‏والاختلافِ والهواجسِ لا يجبُ أن يُفضيَ إلى الانقسام أو اليأس، أو أن يتحوّلَ إلى تَصادمٍ وتنافرٍ‎ ‎يُهدِّدُ الاستقرار، ‏ويُعيقُ مهمةَ النهوضِ والازدهار، ولا إلى انقلابٍ على مفهوم العقد الاجتماعي القائمِ بين المُكوِّنات اللبنانية، ‏فمسيرةُ بناءِ الثقة بالدولة وتحصينِ مؤسساتِها واستعادةِ سلطتِها يجبُ أن تُستكمَل، وقرارُ اللاعودةِ إلى الوراء ‏يجبُ أن يبقى ثابتاً ومُصاناً من الجميع، مهما اشتدّتْ وتيرةُ الحروب، ومهما ازدادتْ حدّةُ الأزمات. جميعُنا ‏معنيُّون بالنهوضِ بالوطن، ومُدركونَ أنّ ذلك غيرُ ممكنٍ بدون مؤازرة العهد والحكومة ومواكبتِهما في رحلة ‏تأكيدِ السيادة وتحمُّلِ المسؤولية، بدءاً بالتّصدي للقضايا المصيرية ومواجهةِ الاعتداءِ الغاشمِ على الأرضِ ‏والممتلكاتِ‎ ‎والأهالي، بما تقتضيه الحالُ من حكمةٍ وشجاعةٍ وتماسُكٍ‎ ‎وحذرٍ واحتياطٍ ووحدةِ موقف، ومن اعترافٍ ‏وتأكيدٍ أن الدولةَ هي الأجدرُ من سواها ببسطِ سلطتِها ومواجهة العدوانِ‎ ‎وأطماعِه التوسُّعية، واستفزازاتِه ‏المُتصاعدة، واعتداءاتِه المتكرّرة، بما تراه مناسباً، ومن خلال جيشِها الوطنيّ والتفافِ الشعب حولَها".‏

 

واعتبر ان "الانتصارَ للوطن لا يكونُ بالخروج عن إرادةِ الدولة ونزعِ الثقة عن المؤسسةِ العسكرية اللبنانية، بل باحترامِ ‏هيبتِها والانضواءِ الطَّوعي في كنَفِها، وبمساندتِها سياسيَّاً، وبدعمِ الجيش والقوى الأمنية، لتمكينِها من القيام بمُهمةِ ‏حماية الحدود والحقوق، وتأكيدِ السيادة وتحقيقِ الاستقرار، وصونِ الوحدة الوطنية التي هي الدرعُ الواقيةُ‎ ‎للوطن.‏ الدولةُ مسؤولةٌ، ونحن معها، لإصلاح مؤسساتِها، ولإعادة الانتظام المالي، ومعالجةِ أوضاع الناس المعيشية، ‏وطمأنة المُودِعين على أموالهم وجنى أعمارهم، وقد خَطَتِ خُطواتِها الأُولى في أكثرَ من مجالٍ لتغيير مسارٍ يكادُ ‏يقودُ إلى انهيارٍ تامٍّ إذا ما استمرّ، وها هي الدولةُ اليومَ تواجه أزمة النزوح وتتحمّل مسؤوليةَ الإيواء والرعاية، ‏في ما العالَمُ من حولنا غارقٌ بحربٍ لا نعرف متى تنتهي، ممّا يُوجبُ أقصى درجاتِ التضامن والتكافل ‏الاجتماعي، والوقوفَ مع الدولة في هذه المهمّة الوطنية والإنسانية، ومع أهلِنا المتضرِرين والنازحين قسراً من ‏بيوتِهم".‏

 

واستطرد شيخ العقل: "صحيحٌ أننا نحتفلُ في هذا العام بمئوية الدُّستور اللبناني الذي سبقْنا جميعَ دولِ ‏المِنطقة بإعلانه كناظمٍ للحياة السياسية في لبنانَ الكبير، وقد حصّناه لاحقاً باتّفاق الطائف، لكننا اليومَ أمامَ تحدِّي ‏الحفاظِ على هذا اللبنانَ الكبير باستكمالِ تطبيقِ الاتفاق، ليكونَ خشبةَ خلاصٍ لوحدة بلادِنا وحمايةِ استقلالِها، ‏ولتكونَ الدولةَُ مِظلّةَ الجميع، أكانوا طوائفَ ومذاهبَ أو أحزاباً ومؤسساتٍ أو أفراداً، لا أن تكونَ هي تحت ‏مِظلّةِ أحدٍ مهما عظُمَ شأنُه، سوى مظلَّةِ القانون والعيش المشترَك. وجميعُنا توَّاقون إلى استثمار علاقاتِ لبنانَ ‏الخارجيّة خصوصاً في هذه المحنة التي يعيشُها، إذ لا حياةَ لهذا البلد الصغيرِ بحجمِه والغنيِّ بتنوُّعِه وموقعِه إلَّا ‏بالعلاقات الطيِّبة معَ الأشقَّاء والأصدقاء المُخلصين، وقد آلمَنا ما حصل ويحصل على الساحة العربية والإسلامية، ‏ولا سيَّما من اعتداءاتٍ مُقلِقة على دول الخليج العربي، ومن أعمالٍ عسكرية تجاوزتِ الحدودَ وقتلتِ الأبرياءَ ‏ودمّرتِ الممتلكاتِ في دول المنطقة، متأسّفينَ لتوريط لبنانَ في هذه الحربِ المُدمِّرة، ومتوجِّهينَ إلى المجتمع ‏الدولي للمساعدة في إيجاد تسويةٍ مُمكنة تُوقفُ العدوَّ عند حَدِّه وتُجبِرُه على التعاطي الصادق معَ القراراتِ الدولية ‏والاتفاقات وتَحُدُّ من أطماعِه التوسُّعيّة، واثقينَ أنّ لا خلاصَ للبنانَ إلَّا بوحدة أبنائه والتزامِهم الوطني، علَّه يتمكّنُ ‏من تجاوزِ المحنةِ وإعادةِ إعمارِ ما تهدَّمَ من بناء، وترميمِ ما تزعزعَ من ثقة".

 

وأكد "‏إنّ طائفةَ الموحّدينَ الدروزِ كانت وستبقى ناهجةً نهجَ الوسطية والاعتدال، ومعتزَّةً بدورِها اللاحمِ وبعلاقاتها ‏المُتّزنةِ معَ أبناء الوطن كافةً، مُحافِظةً على هُويّتِها اللبنانيةِ العربية، بالرغم من صراخِ أبواقٍ مُضلِّلة مُنحرفة، ‏ومُحافظةً على هُويّتها الإسلاميةِ التوحيديّة، بالرغم من ضجيج أصواتٍ مُشكِّكة مُتطرّفة، متيقّنةً أنّ لا أمنَ ولا ‏أمانَ لها ولشقيقاتِها العائلات الروحية الكريمة إلَّا بالشراكة الروحية الوطنية، وبما ينتجُ عنها من شراكةٍ اقتصادية ‏تنموية،‎ ‎تحقّقُ للشعبِ أمنَه الوطنيَّ والغذائي، وتُبدِّدُ هواجسَ شبابِه وتعزّزُ ثقتَهم بالوطن".‏

 

وختم بالقول: "إذا كانت ظروفُ البلاد قد حالت دون إقامة إفطار دارِ الطائفةِ الجامع، بالرغم من تأكيد حضورِ ‏جميعِ أطيافِ التنوّع الوطني الرائع، تأكيداً على مِيزة الاجتماع اللبناني، وعلى ميزة الدار وأهلِها وحسنِ علاقاتِها ‏معَ الجميع، لكنَّنا نؤكِّدُ، كما فعلنا وكما كنَّا سنفعل، على أنه مهما تبدّلتِ الفصولُ والمراحل، ومهما تداولتِ الدولُ ‏والقبائل؛ لا انعزالَ ولا انفصال، بل تلاحمٌ واتّصال، ووحدةٌ أقوى من أيِّ احتلال، وإيمانٌ قويٌّ لا يتزعزع؛ إيمانُ ‏بعضِنا ببعض، وإيمانُنا معاً بالله وبالوطن. حماكم الله وحمى أوطانَنا من أيِّ سوء. مبارَكٌ صومُكم وفطرُكم، ‏وصلاتُكم وزكاتُكم، وكلُّ عامٍ وأنتم بخير".

theme::common.loader_icon