صفقة اقتصادية روسية- أميركية: مفاوضات خلف الأبواب
صفقة اقتصادية روسية- أميركية: مفاوضات خلف الأبواب
د. خالد العزّي
Friday, 20-Mar-2026 07:23

يجب أن نلاحظ أنّ وفد الولايات المتحدة المفاوِض في الأزمة الأوكرانية يتكوّن من شخصيّتَين رئيسيتَين، لا تُمثلان الأطر الديبلوماسية المعتادة بل المصالح المالية الخاصة: ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس ترامب للشرق الأوسط، وصهره جاريد كوشنير. بدلاً من البحث عن حلول ديبلوماسية عميقة، يسعى هذان المسؤولان إلى صفقات مالية تصبّ في مصلحة الإدارة الأميركية، مع تركيز واضح على تعزيز المصالح المالية الخاصة بهم. في وقت يشهد العالم أزمة أوكرانية مستمرّة، يبدو أنّ احتمالية السلام لم تعُد مرتبطة فقط بالمفاوضات السياسية التقليدية، بل تزداد أهمّيةً من خلال صفقات اقتصادية ضخمة.

الحديث الآن يدور حول إبرام اتفاقيات اقتصادية قد تكون أكثر فاعلية من الحلول العسكرية أو السياسية التقليدية. ومن خلال تحليل المعلومات الواردة من مصادر متعدّدة، تبيّن أنّ ترامب قد تمكّن من إقناع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بتوقيع اتفاقية خاصة بالموارد المعدنية، لكنّ ما يحدث خلف الكواليس قد يكون أكثر تعقيداً.

 

وفقاً لمجلة «الإيكونوميست» التي تتابع باهتمام الأحداث الجارية، هناك صفقة محتملة بين روسيا والولايات المتحدة قد تصل قيمتها إلى 12 تريليون دولار. ويتضمّن هذا الاتفاق رفع العقوبات المفروضة على روسيا مقابل السماح للشركات الأميركية بالدخول إلى السوق الروسية واستثمار مواردها الطبيعية، من النفط والغاز إلى المعادن النادرة في القطب الشمالي. هذه الصفقة تتماشى مع الأسلوب التجاري الذي اتبعه ترامب في مفاوضاته الاقتصادية الكبيرة.

 

وعلى رغم من تداول الأرقام الضخمة، إلّا أنّ الممثل الروسي كيريل ديميترييف نفى الربط المباشر بين رفع العقوبات والصفقة الاقتصادية. وأشار إلى أنّ خسائر الشركات الأميركية من مغادرتها للسوق الروسية تتجاوز 300 مليار دولار، وهو ما يجعل رفع العقوبات أمراً مفيداً للولايات المتحدة نفسها. علاوةً على ذلك، عرض ديميترييف محفظة من المشاريع التجارية التي تبلغ قيمتها 14 تريليون دولار، ما يعكس حجم المصالح التجارية الكبيرة التي تُرتَّب خلف الكواليس.

 

وفيما يضغط ترامب على زيلينسكي للموافقة على «خطة أنكوراج» التي تتضمّن تسويةً سلمية مع روسيا، يبقى السؤال: هل سيكون رفع العقوبات هو الحافز الذي يدفع موسكو لتقديم تنازلات، أم أنّه مجرّد وسيلة ضغط لفرض شروط قاسية على كييف؟ يتوقع ترامب أنّ عامل الوقت سيؤدّي إلى قبول هذه الشروط، إذ يمكن أن تَضيع الفرص التجارية إذا لم تُقبَل في الوقت المناسب.

 

يبدو أنّ ترامب يراهن على عامل الوقت، ملوِّحاً بالفُرَص التجارية التي قد تضيع إذا لم تُقبَل الشروط في الوقت المحدَّد. في المقابل يُروِّج الإعلام الروسي لفكرة أنّ هناك صفقة مالية كبرى بين روسيا والولايات المتحدة، قد تضع حداً فعلياً للأزمة الأوكرانية- الروسية، وفقاً لشروط روسيا التي تطالب بدفع أثمان باهظة للتنازلات الأميركية. فهل يمكن الوثوق بهذه المعلومات والتسريبات الروسية؟

 

وفيما يتركّز الاهتمام الدولي على المفاوضات، تظهر تحرُّكات اقتصادية جديدة، مثل الاتفاق الذي وُقِّع بين المستثمر التكساسي جينتري بيتش، المقرَّب من عائلة ترامب، وشركة «نوفاتك» الروسية لإنتاج الغاز في ألاسكا. هذا الاتفاق يعزّز فكرة أنّ المحفظة التجارية تشمل تكنولوجيا روسية في الولايات المتحدة، ممّا يَزيد من تعقيد المشهد.

 

بينما تزداد التوترات الداخلية في أوكرانيا، إذ يواجه الرئيس زيلينسكي تحدّيات متزايدة على الجبهة العسكرية، يحاول بعض المسؤولين الأميركيِّين استغلال ملف الفساد الأوكراني كوسيلة للضغط على كييف. وقد تصدّرت الأنباء، أنّ الجنرال الأوكراني فاليري زالوزني أصبح لاعباً رئيساً في المشهد العسكري والسياسي الأوكراني بعد تعثر الهجوم المضاد في 2023، ما يعكس حالة عدم الاستقرار الداخلي التي قد تؤثر على مستقبل القيادة السياسية في أوكرانيا.

 

مستقبل الأزمة الأوكرانية

 

إذا ما نجح ترامب في إتمام صفقة اقتصادية مع موسكو، فقد تتراجع قضايا الحرب على الأرض إلى الخلفية، لتصبح المفاوضات الاقتصادية هي المحور الأساسي. في هذا السياق، لن يكون الرئيس الأميركي مهتماً بالمعارك العسكرية، بل بالصفقات التجارية التي قد تفتح أسواقاً جديدة أمام الشركات الأميركية. قد تتحوّل الحرب الاقتصادية إلى ساحة رئيسية للتفاوض بين روسيا والولايات المتحدة، ما يُعيد رسم ملامح الصراع الأوكراني برمّته.

 

في النهاية، يبدو أنّ الأزمة الأوكرانية لم تعُد مجرّد صراع عسكري، بل أصبحت جزءاً من لعبة تجارية دولية معقّدة. فمع كل خطوة اقتصادية، يتكشف المزيد من الأسرار خلف الكواليس.

theme::common.loader_icon