تستهدف الهجمات الإسرائيلية على إيران أجهزة الأمن الداخلي في البلاد كجزء من استراتيجية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لزعزعة استقرار الحكومة السلطوية وتهيئة الظروف لانتفاضة شعبية. وكانت إسرائيل قد قتلت المرشد الأعلى لإيران، آية الله علي خامنئي، وأعلنت الثلاثاء أنّها قتلت المسؤول الأمني الأبرز في البلاد، علي لاريجاني. إلى جانب ذلك، يشنّ الجيش الإسرائيلي حملة قصف مكثفة ضدّ قوات الأمن، التي قمعت موجة تلو أخرى من الاحتجاجات المناهضة للحكومة في إيران.
ورفض بعض المسؤولين العسكريِّين الإسرائيليِّين السابقين استراتيجية نتنياهو، معتبرين أنّها غير واقعية، بحجة أنّ أجهزة الأمن الداخلي الإيرانية متجذّرة بعمق وقوية للغاية. في المقابل، يرى خبراء آخرون أنّ على إسرائيل أن تحاول إحداث تغيير في القيادة، مع الإقرار بأنّ الضربات الجوية وحدها لن تكون كافية من دون انتفاضة شعبية.
وأعلن نتنياهو أنّ الحملة الجوية الإسرائيلية وجَّهت «ضربات ساحقة» إلى جهاز الأمن الإيراني وستخلق ظروفاً «مثلى» للإيرانيِّين للإطاحة بحكومتهم. وأضاف: «أقول للشعب الإيراني، إنّ اللحظة التي يمكنكم فيها الخروج من أجل الحرية تقترب. نحن نقف إلى جانبكم ونساعدكم. لكن في نهاية المطاف، الأمر متروك لكم».
وحتى لو نجحت إسرائيل في إضعاف القوى الداخلية الإيرانية بشكل كبير، فلا توجد ضمانة بأن يعاود معارضو الحكومة الانتفاض، بعد حملة قمع من السلطات أسفرت عن مقتل الآلاف في كانون الأول وكانون الثاني.
في بداية الحرب، عبّرت كل من إسرائيل والولايات المتحدة عن رغبتهما في تمهيد الطريق لتغيير النظام. لكنّ الرئيس ترامب أقرّ في مقابلة مع «فوكس نيوز» بأنّ انتفاضة شعبية لا تبدو وشيكة: «يقولون إذا تظاهر أي شخص سنقتلكم في الشوارع. أعتقد أنّ ذلك يشكّل عقبة كبيرة أمام أشخاص لا يملكون أسلحة». ويُرجَّح أن يكون ترامب الوحيد القادر على تحديد مدة استمرار الحرب.
على مدى العقدَين الماضيَين، خاطر الإيرانيون بحياتهم للتظاهر ضدّ حكومتهم والمطالبة بالحرّيات. وفي الأيام الأولى من الحرب، احتفل كثيرون بمقتل آية الله خامنئي، الذي شغل منصب المرشد الأعلى لمدة 36 عاماً، وقمع المعارضين بشكل منهجي باستخدام القوّة المميتة والاعتقالات الجماعية.
ومؤخّراً، هدّد أحمد رضا رادان، قائد الشرطة الإيرانية، بفرض عقوبات قاسية على أي شخص يجرؤ على التظاهر ضدّ الحكومة: «اعتباراً من الآن، إذا تصرَّف أي شخص بتوجيه من العدو، فلن نعود نعتبره متظاهراً أو ما شابه ذلك. سنعتبره عدواً وسنتعامل معه كما نتعامل مع العدو».
ويوم الجمعة، شارك آلاف الإيرانيِّين في تجمُّع نظّمته الحكومة ضدّ الولايات المتحدة وإسرائيل، في إشارة إلى استمرار نفوذ الحكومة على جزء من السكان على الأقل.
ضرب الباسيج والحرس الثوري
وخلال أكثر من أسبوعَين منذ بدء الحرب، نفّذت إسرائيل عشرات الضربات ضدّ أجهزة الأمن الإيرانية الرئيسية التي قمعت المتظاهرين قبل الحرب، ولا سيما «الباسيج»، وهي ميليشيا تطوُّعية مرتبطة بقوّة «الحرس الثوري»، وفقاً لمسؤولين عسكريِّين إسرائيليِّين.
وأفاد الجيش الإسرائيلي بأنّ الضربات استهدفت مراكز قيادة ونقاط تفتيش تابعة للباسيج. كما استهدفت وكالات قمعية أخرى، مثل وزارة الاستخبارات. وأضاف الجيش إنّ الضربات أسفرت أيضاً عن مقتل قائد الباسيج، غلام رضا سليماني.
كما استهدفت الضربات الأميركية بشكل مكثف منشآت القيادة والاستخبارات التابعة للحرس الثوري. واعتبر العميد إيرن أورتال، المسؤول العسكري الإسرائيلي السابق، أنّ هناك أوجه قصور في استراتيجية نتنياهو تجاه إيران، لكنّه لم يرفضها بالكامل.
وأضاف الجنرال أورتال، الذي شغل منصب قائد «مركز دادو للتفكير العسكري متعدِّد التخصُّصات»، وهو مجموعة بحثية في الجيش الإسرائيلي: «المنطق هو أنّ الانهيار الداخلي للنظام، الذي بدأ بالفعل، سيتسارع إذا أُضعفت هذه القوى القمعية».
وأوضح أنّ عناصر الباسيج، الذين يُقدَّر عددهم بنحو مليون عضو، يعتمدون على أوامر قادتهم بدلاً من المبادرة الفردية، مضيفاً أنّ كسر سلسلة القيادة قد يجعل من الصعب عليهم العمل بفعالية.
إضعاف قوات الأمن
ويشرح راز زيمت، مدير برنامج إيران في «معهد دراسات الأمن القومي» في تل أبيب، أنّه إذا فشلت قوات الأمن الداخلي الإيرانية في قمع الاحتجاجات، فقد يشجّع ذلك مزيداً من الناس على الانضمام إليها، وقد يؤدّي إلى انشقاقات في صفوف الأعضاء الأدنى رتبة في النظام الحاكم.
غير أنّ بعض المحلّلين لا يزالون متشكّكين في احتمال اندلاع انتفاضة جديدة، مشيرين إلى استمرار سيطرة الحكومة وتباين المزاج الشعبي. ويعتقد ولي نصر، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة «جونز هوبكنز»، أنّ «هناك كراهية هائلة للجمهورية الإسلامية. لكن هناك الآن أيضاً كراهية كبيرة للولايات المتحدة وإسرائيل، وقلقاً كبيراً بشأن مستقبل البلاد»، بالتالي، الإيرانيّون عالقون بين الطرفَين.
كما شكّك المقدَّم شاحار كويفمان، الذي كان يرأس مكتب إيران في مديرية الاستخبارات العسكرية حتى عام 2022، في أن يكون تمرُّد ضدّ الحكام وشيكاً: «الباسيج مجموعة كبيرة جداً من الناس، لديهم الكثير من الرشاشات، ولن يتخلّوا. هم وعائلاتهم يعتمدون على ذلك. للأسف، هم فعّالون للغاية في إجراءاتهم العنيفة ضدّ الاحتجاجات».
وأوضح المقدَّم كويفمان، أنّ على إسرائيل أن تركّز على أهداف أكثر قابلية للتحقيق، مثل إضعاف قدرات إيران الصاروخية وبرنامجها النووي ووكلائها الإقليميِّين. وخلال فترة خدمته، اعتبر أنّ المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لم تنظر بجدّية إلى تغيير النظام، معتبرةً أنّه نتيجة غير واقعية. وتوقّع: «سيخرج النظام من هذه الأحداث مثخناً بالجراح، لكنّه سيبقى حياً».