التحوّل الرقمي بين الجامعة الذكية والجامعة التقليدية: قراءة سوسيو- تقنية وثقافية
التحوّل الرقمي بين الجامعة الذكية والجامعة التقليدية: قراءة سوسيو- تقنية وثقافية
د. عباس حمزة حمادي
أستاذ الدراسات العليا في الجامعة اللبنانية
Friday, 13-Mar-2026 05:51

لا جدال، في كون التحوُّل الرقمي (Digital Transformation) قد أصبح ظاهرة، لا بل حاجة لا مفرّ منها ولا حَيَدان عنها بحال، حتى بات يتغلغل في جوانب حياتنا اليومية، إلى أن لامسَ الأمر الصروح الجامعية على وجه الخصوص؛ إذ فتح نوافذها واستقرّ على ألواح قاعاتها واحتلّ جدران صفوفها، حتى بالغ في ذلك كل مبلغ.

وأدّى ذلك إلى إحداث تحوُّلات في مجال التعليم الجامعي لصالح التقنيات الرقمية، كنتيجة حتمية للتغير الاجتماعي والتطوُّر التقني وكذلك التبدّل الثقافي، في المجتمعات التي تحتضن جامعة هنا أو هناك، وذلك بعد انتشار وسائل التواصل ومنصات (Platforms) التعليم الرقمية، المدعومة بشبكة الإنترنت ومنظومة إلكترونية متطورة؛ سعياً من جانب صنّاع القرار في قطاعات التعليم إلى مسايرة ما تجود به البيانات والمعلومات الافتراضية. وبناءً عليه، أصبحت مسألة تطوير الأساليب التعليمية والنماذج التطبيقية المصاحبة لها، أمراً مطلوباً بإلحاح شديد.

 

وإذا كان ذلك كذلك، فإنّ الاستسلام للمنصات الذكية ذات المعين الغزير الذي لا ينضب، لا يُختصر باستبدال أداة تعليمية بأخرى، وإنّما الأمر مَنوطٌ بنقلة نوعية تطال بالدرجة الأولى العلاقات الاجتماعية والأجهزة التقنية والبردايم (Paradigm) المعرفي وحتى البنية الثقافية للمؤسسة الجامعية، ما يُتيح الانتقال من نظم كلاسيكية في التعليم إلى نظم ذكية، أَكْرَمُ على المتعلم وأرفع قدراً في نفسه؛ تحفيزاً للعقل الجوال لديه وتعزيزاً للتعلُّم الذاتي وتوفيراً للوقت والجهد. وهنا، لا حيلة أمام الجامعة التقليدية سوى السعي الحثيث للوقوف سداً منيعاً في وجه ذلك الانتقال، ليس بسبب القصور التقني والبيداغوجي (Pedagogic) فحسب، وإنّما مردّ ذلك على الأغلب، يعود إلى بنى اجتماعية ومسلّمات ثقافية ومؤسسية تضرب عميقاً في جذورها، كما في أنماط عملها.

 

إذًا، لكل جامعة بَيْنَ أن تكون ذكية (Smart) أو تقليدية (Traditional)، هيئةٌ تخصّها وحدها دون غيرها؛ كأن تسعى الجامعة الذكية مثلاً، إلى تحميل العمليات التعليمية والوظائف الإدارية، معظم أو كل ما توصّلت إليه التكنولوجيا من تقنيات ونماذج معلوماتية، ما يؤدّي إلى تشكيل بيئة تعلُّم ذات ديناميكية مشهود لها في الأوساط الأكاديمية، إذ تكون معزّزة بتكنولوجيا متجدّدة على الدوام ومن غير انقطاع. وهذا ما من شأنه تحسين وتأصيل مخرجات التعلّم، المرتكزة بالضرورة على قاعدة بيانات (Database) بجودة عالية، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على المهارات التكنو-رقمية للمتعلم. وحُكْمُ ما أشرنا إليه للتَّو، حُكْمُ القلادة في العنق أو الإكليل على الرأس الذي يزيِّن صاحبه ويرفع من قدره وقيمته.

 

واعلم، أنّ الجامعة الذكية ما كان لها أن تخطو خطواتها الذكية تلك، من غير العمل على تَبْيِئَة أرضية اجتماعية صالحة لاستيعاب ما تجود به التكنولوجيا الحديثة، جنباً إلى جنب مع بيئة ثقافية مرنة ومطواعة، لفائدة تبنّي ما هو جديد مع المحافظة على الهوية الثقافية - المعرفية؛ أي نمذجة السلوك اليومي على أنغام الأدوات الرقمية من دون زعزعة الموروثات الثقافية والمعرفية.

 

وحتى لا يجيء عرضُنا ناقصاً أو نافراً عن مواضعه، يلزم الإطلالة على الجامعة التقليدية التي أسّست بُنيانها على منوال نموذج معرفي، يدأب (النموذج) على الدوام على إحاطة السلطة المعرفية للأستاذ بأسيجة حديدية لا يمكن اختراقها؛ مستنداً بالدرجة الأولى على الحضور الجسدي للمتعلّم والتقييم والتقويم الورقيَّين، وزِدْ على ذلك ما يدور في هذا الفلك ما شاءت لك الزيادة. وعليه، تسمَّرت الجامعة التقليدية في مكانها وأغلقت على نفسها الأبواب من كل زاوية وناحية، في وجه التغيُّرات الاجتماعية والتبدُّلات الثقافية الناتجة من اتساع التطبيقات الرقمية، التي لا تعرف التوقف ولا حدود للتراجع.

 

إذاً، وحال الجامعة التقليدية هذه الحال، لا بُدّ تبقى تتحكّم بها البيروقراطية الأكاديمية، التي تستمد قوّتها من الشروط الكلاسيكية للتعليم، القائمة على المركزية الإدارية والتعليم الواقعي واعتماد المناهج التعليمية الموحّدة والامتحانات الخطية الروتينية، ذات الطابع الممل والمضجِر. وهكذا، تختار هذه الجامعة ركناً قصياً! بعيداً كل البُعد عن تلبية متطلّبات السوق، وبمنأى عن التدريب العملي كأسلوب يعوّل عليه لرفع قيود التعليم التقليدي.

theme::common.loader_icon