استقرار لبنان... جذور تاريخية ومحبة خليجية راسخة
استقرار لبنان... جذور تاريخية ومحبة خليجية راسخة
محمد ظافر العراده

أمين سر اتحاد الإعلام الإلكتروني

Thursday, 12-Mar-2026 07:01

عندما نتحدّث عن لبنان، فإنّنا لا نتحدّث عن دولة عابرة في الجغرافيا؛ بل عن كيانٍ تشكّل عبر تاريخ طويل من التنوُّع والتفاعل الحضاري. فمنذ إعلان دولة لبنان الحديثة عام 1920م في عهد الانتداب الفرنسي، وُضِع أساس صيغة العيش المشترك بين مكوّناته، قبل أن ينال استقلاله عام 1943م عبر «الميثاق الوطني» الذي كرّس شراكة المسلمين والمسيحيِّين في إدارة الدولة. هذا التوازن، على رغم من هشاشته أحياناً، شكّل خصوصية لبنانية قائمة على التعدُّدية والانفتاح.

وقد مرّ لبنان بمحطات مفصلية أثّرت في مسيرته، أبرزها الحرب الأهلية (1975–1990) التي أنهكت الدولة والمجتمع، قبل أن يضع اتفاق الطائف عام 1989م إطاراً لإنهاء الحرب وإعادة بناء المؤسسات، بدعم عربي واضح، لا سيما من دول الخليج العربي. ومنذ ذلك الحين، ظلّ استقرار لبنان أولوية عربية، انطلاقاً من قناعة بأنّ أمنه جزء من أمن محيطه.

 

العلاقة بين الخليج ولبنان ليست وليدة ظرف سياسي؛ بل تمتد لعقود من التبادل الإنساني والاقتصادي. ففي خمسينات وستينات القرن الماضي، ومع بدايات النهضة في الخليج العربي، أسهمت الكفاءات اللبنانية في مجالات التعليم والإعلام والهندسة والطب، في دعم مسيرة التنمية الخليجية. وفي المقابل، كان لبنان وجهةً محببة للخليجيِّين للسياحة والاستثمار، خصوصاً في بيروت التي عُرفت بدورها الثقافي والإعلامي الرائد في العالم العربي.

 

كما لم تتأخّر دول الخليج تاريخياً عن دعم لبنان في أزماته، سواءً عبر المساعدات الاقتصادية أو إعادة الإعمار بعد الحروب، إدراكاً لأهمّية استقراره المالي والمؤسساتي. هذا الدعم لم يكن سياسياً فحسب؛ بل نابعاً من محبة الشعوب لبعضها البعض، ومن شعورٍ صادق بأنّ ما يجمعنا أكبر من أي خلاف عابر.

 

إنّ لبنان بتنوُّعه الديني والثقافي - مسلمين ومسيحيِّين، سنّة وشيعة ودروزاً - يمثل نموذجاً دقيقاً للتعايش العربي، وحمايته من الانزلاق نحو الفوضى مسؤولية مشتركة لأبنائه أولاً، ثم لأشقائه العرب الداعمين لوحدته وسيادته. فالتاريخ أثبت أنّه كلما اجتمع اللبنانيّون على مشروع دولة قوية، عاد لبنان إلى دوره الطبيعي منارةً للفكر والثقافة والاعتدال.

 

أتمنى للبنان السلامة والاستقرار، وأنْ يستلهم من تاريخه دروس الصمود والنهوض، وأن تتكاتف جميع أطيافه لإعادة بناء الثقة بالدولة ومؤسساتها. فلبنان الذي تجاوز أزمات كبرى عبر تاريخه، قادر بإذن الله على تجاوز تحدّياته الراهنة، والعودة بلداً آمناً مزدهراً يحتضن أبناءه ويستعيد مكانته في القلب الخليجي والعربي.

theme::common.loader_icon