ترامب يخفي هدفاً أكبر ممّا يعلنه
ترامب يخفي هدفاً أكبر ممّا يعلنه
د.جوزيف ديب
Wednesday, 11-Mar-2026 07:13

ليس سهلاً أن تُقرأ تحرُّكات الرئيس الأميركي دونالد ترامب من غرينلاند إلى كندا، فبنما، وفنزويلا، وإيران، إلى كوبا على أنّها مجرّد ساحات تبدو متباعدة في الظاهر، لرئيس يرفع السقف ثم يساوم على الثمن السياسي والمردود المالي.

هذه القراءة تبدو اليوم ناقصة، لأنّ الصين هي مركز هذا المشهد لا مجرّد طرف حاضر فيه، ولأنّ ما يظهر على السطح بوصفه تصعيداً متنقلاً قد يكون في العمق مساراً واحداً هدفه الأبعد، ليس فقط تحصيل صفقة أو فرض رسوم أو انتزاع تنازل سريع، بل تطويق الصين وسحق صعودها في عهد الرئيس الصيني شي جينبينغ، قبل أن تستكمل تحوُّلها إلى ندّ استراتيجي واقتصادي وتكنولوجي كامل للولايات المتحدة.

 

بعض مراكز الأبحاث الغربية اقتربت من ملامح هذا المشهد، فرأت في إيران وفنزويلا ضغطاً على الصين من بوابة الطاقة، ورأت في غرينلاند وكندا وبنما تشدُّداً أميركياً على المجال الغربي، لكنّها بقِيَت أسيرة الوصف الجزئي لكل ملف، ولم تصل إلى تسمية الغاية الأبعد التي قد تربط هذه الساحات كلّها. فهي لامست بعض ملامح الصورة، لكنّها لم تقل إنّ جمع هذه الساحات يكشف هدفاً أكبر، هو تطويق الصين وكبح صعودها. ومن هنا لا تبدأ هذه القراءة من حيث انتهت تلك المراكز، بل من حيث توقفت عن الربط، لأنّ ما يبدو أزمات متفرّقة قد يكون في الحقيقة مسار ضغط متدرّج يضيق على الصين من أكثر من جهة وفي أكثر من مستوى.

 

في الشمال، لا تبدو غرينلاند تفصيلاً جغرافياً بارداً، بل موقعاً متقدّماً في القطب الشمالي، غنياً بالمعادن، حساساً في أي صراع طويل على الموارد والتموضع والسيطرة على المسارات العليا. وعندما يضع ترامب روسيا إلى جانب الصين في تبرير تشدُّده هناك، فهو يمنح خطابه غطاءً أوسع، لكنّ الثقل الحقيقي في هذه الساحة يبقى صينياً أكثر منه روسياً، لأنّ الصين هي التي تحتاج إلى توسيع حضورها في الممرات القطبية والموارد الجديدة وفي نقاط العبور البعيدة، أمّا روسيا فهي أصلاً قوّة قطبية كبرى تمتلك من الامتداد الجغرافي والموارد ما يجعل الحاجة إلى غرينلاند أقل إلحاحاً بكثير. وفي كندا أيضاً لم يكن اعتراضه على أي تفاهم مع بكين مجرّد خلاف تجاري عابر، بل اعتراضاً على أن تتحوّل كندا إلى بوابة صينية إلى السوق الأميركية. وعند هذه النقطة يصبح الشمال، من غرينلاند إلى كندا، خط صدّ مبكر أمام أي تمدُّد صيني مباشر أو مقنّع إلى المجال الاقتصادي والأمني الأميركي.

 

وفي الفضاء الأميركي القريب يزداد هذا المعنى وضوحاً. فبنما ليست مجرّد خلاف على مرافئ أو منشآت، بل هي قناة بنما بما تمثله من معبر بحري يربط بين محيطَين ويمنح مَن يُثبِّت قدمه حولها نفوذاً يتعدّى حدودها إلى التجارة العالمية. وتقليص النفوذ الصيني في المواقع المحيطة بالقناة يعني حرمان بكين من موطئ قدم عند واحد من أكثر المعابر حساسية في العالم. أمّا كوبا، فلا تدخل هنا كجزيرة معادية فقط، بل كنقطة يمكن أن تتحوّل إلى ارتكاز متقدّم في الخاصرة القريبة للولايات المتحدة. ولذلك، فإنّ تشديد الخناق عليها بعد فنزويلا لا يبدو منفصلاً عن فكرة تنظيف المجال الأميركي القريب من أي حضور صيني قابل للتحوُّل إلى نفوذ ثابت أو ورقة ضغط.

 

ثم نصل إلى القلب الطاقوي والنقدي للمسألة، أي فنزويلا وإيران. هنا يصبح الربط مع الصين أقل تأويلاً وأكثر صلابة، لأنّ الموضوع لا يتعلّق بمصدرَين مهمَّين للطاقة فقط، بل أيضاً بساحتَين ساعدتا بكين على التحرُّك بهامش أوسع خارج القبضة الكاملة للدولار، وباليوان تحديداً. فالضغط على فنزويلا لا يُقرأ فقط كإعادة ضبط للفضاء الأميركي القريب، بل كضرب لمصدر مريح للصين داخل أميركا اللاتينية. أمّا إيران، فالأمر فيها أعمق، لأنّها ليست فقط حليفاً سياسياً لبكين، بل أحد أهم مصادر الطاقة التي استفادت منها الصين في تأمين نفط منخفض الكلفة وخارج القيود الغربية الصارمة. وهنا لا تُصيب الضربة تدفّق النفط الرخيص فقط، بل تُصيب أيضاً محاولة صينية أوسع لتوسيع حضور اليوان في التجارة العابرة للحدود. وعندما تُضرب إيران ويُعاد تشكيل فنزويلا، فإنّ ما يُصاب ليس فقط نظامَين سياسيَّين، بل جزء من الهامش الذي استفادت منه الصين لتوسيع حركتها خارج القبضة الغربية الكاملة. ومن هذه الزاوية تمتد الضربة أيضاً إلى أحد الوعود العملية التي سوّق لها «بريكس» في السنوات الأخيرة، أي توسيع التجارة بالعملات المحلية وتقليص الاعتماد على الدولار. فالصين، بوصفها عضواً مؤسساً وثقلاً مركزياً في هذا التكتل، لا تخسر هنا براميل نفط رخيصة فقط، بل تخسر أيضاً ساحة كانت تساعدها على إعطاء معنى عملي لفكرة التعامل خارج العملة الأميركية، بما يضرب صدقية الوعد الذي حاول «بريكس» أن يقدّمه للعالم.

 

وعند جمع هذه الساحات في صورة واحدة، يبرز جواب يكاد يفرض نفسه، وهو أنّ ترامب قد يخفي هدفاً أكبر ممّا يعلنه. فقد يبدو في الظاهر رئيساً يطارد الصفقة والمردود المالي، لكنّ البُنية الأعمق لتحرُّكاته توحي بأنّه يشتغل على شيء أبعد من ذلك بكثير، هو تطويق الصين وسحق صعودها على امتداد الجغرافيا والطاقة والممرات والنفوذ الاقتصادي والنقدي وهيمنة العملة، قبل أن يكتمل تموضعها كقوة قادرة على فرض توازن جديد مع الولايات المتحدة. وفي لغة الاستراتيجية، يذكّر هذا بمنطق كوماتسو Komatsu حين رفعت شعار مارو-سي Maru-C في تطويق كاتربيلار Caterpillar، أي خنق الخصم من الأطراف وتضييق مساحاته تدريجياً بدل الاكتفاء بمواجهة مباشرة معه. ومن هذه الزاوية، لا تبدو تحرُّكات ترامب إدارةً لأزمات متفرّقة بقدر ما تبدو مساراً لتطويق الصين من أكثر من جهة. وعندما تُقرأ الخريطة دفعة واحدة، تسقط فرضية الفوضى المتنقلة، ويظهر احتمال أكثر تماسكاً، وهو أنّ هذه الساحات التي تبدو متباعدة ليست إلّا أجزاء في طوق يُراد له أن يضيق حول الصين، قبل أن تبلغ لحظة الندية الكاملة مع واشنطن.

theme::common.loader_icon