من غرينلاند إلى إيران إلى كوبا، ترامب يوسّع منطق الإخضاع
من غرينلاند إلى إيران إلى كوبا، ترامب يوسّع منطق الإخضاع
د.جوزيف ديب
Saturday, 07-Mar-2026 06:59

إذا كان الردع في معناه الكلاسيكي يقوم على ثَنيِ الخصم عن خطوة معيّنة عبر التهديد بما يترتب عليها، فإنّ ما ظهر مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ غرينلاند لا ينسجم مع هذا المعنى إلّا جزئياً، لأنّ ما حصل هناك لم يكن نقاشاً عادياً حول نفوذ أو تفاهم أمني، بل ضغطاً مباشراً لتعديل سلوك طرف آخر عبر الرسوم والإجراءات. وعندما لوّح برسوم على دول أوروبية بسبب غرينلاند ثم خفّف لهجته بعد الإعلان عن إطار تفاهم، تبيّن أنّ واشنطن لا تكتفي بإعلان موقف سياسي، بل تربط الاعتراض المباشر بثمن سياسي واقتصادي يدفع الطرف الآخر إلى إعادة حساباته. ومن هنا بدأ يتضح منحى ترامب، لأنّ السيادة لم تعُد حقاً ثابتاً في هذا المنطق، بل وضعاً قابلاً لإعادة التفاوض متى امتلكت الولايات المتحدة فائض القوّة.

ثم جاءت فنزويلا لتكشف أنّ المسألة تجاوزت الكلام السياسي العابر وجَولات الضغط المعروفة إلى التدخّل في النتيجة السياسية نفسها. فالولايات المتحدة لم تكتفِ هناك بزيادة الضغوط أو بالخنق الاقتصادي الطويل، بل مضت إلى تدخّل عسكري مباشر انتهى بأسر الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، ثم التعامل مع نائبة الرئيس الفنزويلي دلسي رودريغيز بوصفها سلطة انتقالية، وصولاً هذا الأسبوع إلى إعادة العلاقات الديبلوماسية والقنصلية تحت عنوان المساعدة على انتقال هادئ نحو حكومة منتخبة.

 

والمعنى هنا واضح، لأنّ واشنطن لم تطرح نفسها فقط كقوّة تضغط لتعديل السلوك، بل كقوّة تتدخّل في شكل السلطة التي تقبل بها بعد إزاحة الرئيس القائم، وفي فتح الطريق أمام وضع سياسي جديد تراه أكثر ملاءمة لمصالحها.

 

وفي إيران صار المنطق أكثر صراحة وأشدّ قسوة، لأنّ المسألة هنا لا تتصل فقط بحرب على قدرات عسكرية أو نووية، بل بما افتقدته الولايات المتحدة منذ سقوط الشاه، أي إيران التي كانت ضمن نفوذها السياسي والاقتصادي ثم خرجت منه منذ الثورة الإيرانية عام 1979. لذلك لم يكتفِ ترامب بالحديث عن إضعاف القدرات، بل انتقل مباشرةً إلى ما هو أبعد، حين قال إنّ على الولايات المتحدة أن تكون شريكاً في اختيار مَن يقود إيران بعد الحرب، وشجّع القوات الكردية الإيرانية الموجودة في العراق على الانتقال إلى الداخل الإيراني لضرب أجهزة الأمن.

 

وإذا كانت فنزويلا قدّمت نموذج إزاحة الرئيس القائم ثم ترتيب المرحلة التالية، فإنّ إيران تُقدِّم نموذجاً أشدّ، لأنّ الضربة الأميركية- الإسرائيلية انتهت إلى قتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، ثم إلى حديث أميركي مباشر عن شكل القيادة التي يجب أن تأتي بعده.

أمّا كوبا، فهي لا تدخل هنا كملف جانبي، بل كإشارة إلى أنّ ما يجري ليس ملفاً إيرانياً مغلقاً على ذاته. وعندما قال ترامب إنّه يُريد إنهاء إيران أولاً ثم تصبح كوبا مسألة وقت، فهو لم يكن يكتفي بتسريب نيّة سياسية، بل كان يكشف طريقة تفكير ترى العالم على شكل ملفات تُفتح تباعاً، مع اختلاف الأداة والنتيجة المطلوبة في كل ساحة. وكندا تؤكّد ذلك أيضاً، لأنّ الحديث عن الولاية الحادية والخمسين لم يكن مجرّد استفزاز سياسي، بل كشف أنّ الجغرافيا الغنية بالموارد، حتى لو كانت حليفة، يمكن أن تتحوّل هي أيضاً إلى هدف ضغط إذا بقيَ قرارها مستقلاً عن المسار الذي تريده واشنطن. وعندئذ لا يعود اختلاف الأداة بين ساحة وأخرى دليلاً على ارتباك السياسة، بل على أنّ ترامب يبدّل الوسيلة بحسب النتيجة التي يريدها من كل ساحة.

 

ولهذا يبدو كثير من النقاش الجاري هذا الأسبوع في المراكز البحثية الكبرى مهمّاً، لكنّه غير كافٍ. فبعضه انشغل بخطر التورُّط المفتوح، وما إذا كانت حرب إيران ستُكرِّر دروس العراق، وبعضه ركّز على احتمال الردّ بوسائل لا تشبه المواجهة التقليدية وعلى ارتداداته على الأمن الأميركي والإقليمي، وبعضه انصرف إلى تداعيات الطاقة وإغلاق مضيق هرمز وانعكاس ذلك على النمو العالمي. وهذه كلّها زوايا جدّية، لكنّ النقص فيها أنّها ما زالت تقرأ كل أزمة وحدها، بينما الأهم هو القاسم الذي يجمعها، أي دفع كل ساحة إلى نتيجة أميركية ملموسة، سواء كانت مورداً أو سوقاً أو موقعاً أو صفقة، وهذا هو جوهر Trumponomics Doctrine، حيث لا تكون الحرب أو العقوبات أو الضغط غايات مستقلة، بل وسائل مختلفة لبلوغ عائد سياسي واقتصادي واضح وملموس.

 

وعند هذه النقطة تحديداً يُصبح القول إنّ ترامب يوسّع منطق الإخضاع لا منطق الردع قولاً دقيقاً لا مبالغة فيه، لأنّ الردع يكتفي بأن يقول للخصم قف هنا، أمّا الإخضاع فيتدخّل في مَن يحكم، وفي حدود السيادة، وفي شكل المخرج السياسي المقبول. وإذا كان هذا المنحى يتكرّس من غرينلاند إلى فنزويلا إلى إيران إلى كوبا، ويمرّ حتى بكندا، فنحن لا نكون أمام رئيس يرفع السقف ثم يفاوض فقط، بل أمام عقل صفقة يرى الجغرافيا والسيادة والحرب من زاوية ما تنتهي إليه من عائد اقتصادي. وهنا تبرز Trumponomics Doctrine بوصفها التفسير الأوضح لهذا السلوك، لأنّ الرسوم والضغط والحرب والخطف والقتل وتغيير القيادة ليست ملفات منفصلة، بل أدوات متبدّلة لدفع الدول والمواقع الغنية بالموارد أو الثقيلة استراتيجياً إلى نتيجة تخدم المصلحة الأميركية.

 

____________

مرجع المفاهيم Trumponomics Doctrine كما وردت في:

The Official Birth of the Trumponomics Doctrine

TRUMPONOMICS: THE NEW WEALTH OF NATIONS!

منشور على Linkedin بتاريخ 6 نيسان 2025، بقلم Joseph Deeb.

https://www.linkedin.com/pulse/official-birth-trumponomics-doctrine-joseph-deeb-4ueuf/

theme::common.loader_icon