عين «حارس البوابة» على «كرسي المرشد»
عين «حارس البوابة» على «كرسي المرشد»
محمود القيسي
Saturday, 07-Mar-2026 06:46

تُعدّ تحفة جورج أورويل الرمزية «مزرعة الحيوان» مرآةً عاكسةً لأعتى الأنظمة الشمولية في التاريخ؛ فهي تسخر من تحوّل الثورات إلى ديكتاتوريات عبر حيواناتٍ تُكرّر أخطاء البشر بدم بارد. وفي الوقت الذي تتهامس فيه أوراق الأشجار بأسرار الثورة، تستيقظ حيوانات المزرعة «على حلمٍ يلوح في الأفق: عالمٌ خالٍ من استغلال الإنسان، حيث المساواةُ مبدأٌ والعدالةُ قانون».

لكن هذا الحُلم الذي بدأ بشرارة أمل، سرعان ما يتحوّل إلى كابوسٍ من الخداع والاستبداد. وببراعة الساحر، يحوّل أورويل حكايةً ظاهرها السذاجة إلى سرديةٍ معقّدة، تتعمّق في أعماق النفس البشرية وسياسات السلطة، مستخدماً الرمز سلاحاً والحيوانات شخصياتٍ تُجسّد تناقضات الثورات وانحرافاتها.

وإسقاطاً لهذا المفهوم على أرض الواقع السياسي المعاصر، يبرز اسم مجتبى علي خامنئي كنموذج لتعقيدات نفوذ الدائرة الضيّقة للسلطة. فعلى رغم من أنّه لم يشغل منصباً رسمياً بارزاً في الدولة، إلّا أنّ عمله داخل مكتب والده «المرشد» السابق علي خامنئي، جعله يُوصَف بأنّه أحد أكثر الشخصيات نفوذاً.

 

مجتبى، الذي شارك في الحرب الإيرانية-العراقية خلال ثمانينات القرن الماضي ودرس العلوم الدينية في حوزة قم وتتلمَذ على يد رجل الدين المتشدِّد محمد تقي مصباح يزدي، عمل لسنوات إلى جانب والده، وكان يُنظر إليه باعتباره «حارس البوّابة» و»القوّة خلف العمامة»، حيث كان يتحكّم بدرجة كبيرة في الوصول إلى والده، مدعوماً بعلاقات وثيقة مع قيادات الحرس الثوري.

هذا النفوذ لم يتوقف عند السياسة، بل امتد للجانب المالي؛ فخلال السنوات الأخيرة أصبح مجتبى من أثرى الشخصيات في إيران، إذ يمتلك استثمارات وأصولاً مالية في عدة دول عربية وإفريقية وفنزويلا، بالإضافة إلى حسابات مصرفية في سويسرا قد تصل لمليارات الدولارات، وأراضٍ واسعة قرب مدينة مشهد.

 

سياسياً، برز اسمه بقوّة خلال انتخابات عامَي 2005 و2009، إذ اتهمته تقارير غربية بالإشراف على توجيه النتائج لصالح الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، والمشاركة في قمع احتجاجات «الحركة الخضراء» عبر قيادته لقوات «الباسيج»، ممّا أدّى إلى فرض عقوبات أميركية عليه عام 2019 بتهمة العمل كممثل غير منتخَب للمرشد داخل مؤسسات الدولة.

 

وعلى رغم من هذا الثقل، تشير تقارير استخباراتية، إلى أنّ مجتبى لا يتمتع بالمكانة الدينية الكافية (مرتبة «مجتهد» أو «آية الله») التي تؤهّله تقليدياً لتولّي منصب «المرشد الأعلى». كما أنّ فكرة انتقال السلطة وراثياً كانت تبدو غير مرجّحة تاريخياً لانتقاد النظام لهذا النهج. ومع ذلك، فإنّه في حال تثبيت تعيينه، سيُصبح القائد العام للقوات المسلحة والمسؤول عن تعيين قادة الجيش والقضاء، وصاحب الكلمة الفصل في السياسات الكبرى.

 

يأتي هذا الجدل بالتوازي مع ما نشرته مجلة «ذا أتلانتك»، حول تغيُّرات في آليات صنع القرار وتصاعد دور المجلس الأعلى للأمن القومي. وينقل مصدر إيراني رؤيةً استشرافية تشير إلى أنّ «المناخ والخطب الصاخبة ضدّ أميركا ستتغيّر خلال أشهر، إذ ليس أمام الجمهورية الإسلامية خيار سوى إنهاء الصراع والتركيز على التنمية الاقتصادية بعد استنفاد الموارد». ويزعم المصدر أنّ «النظام سقط منذ فترة، وما يجري ليس إلّا تصفية لما تبقّى منه وتفريغ طاقته تجاه دول خليجية بدلاً من إسرائيل».

 

في خضم هذا المشهد المتغيّر، وبروز أسماء كمرشحين محتملين مثل محمد باقر قاليباف وعلي لاريجاني، تتعالى أصوات الضحايا الذين عاصروا قسوة النظام منذ بداياته. فها هي الكاتبة الإيرانية-الأميركية سحر دلیجاني، التي ولدت عام 1983 داخل سجن «إيفين» لوالدَين يساريَّين شاركا في ثورة 1979 قبل أن يصبحا معارضَين، تروي مأساة عائلتها وسجن والديها وإعدام عمّها عام 1988. تقول دلیجاني بلسان حال المتضرِّرين من انحراف الثورات: «لا شيء يمكنكم إخباري به عن جرائم النظام الإيراني لم أعشه بنفسي... لكن إذا كانت رؤيتكم للتحرُّر لا تتحقق إلّا بتدمير أرواح الأبرياء، فأنتم لا تسعون إلى الحرّية».

theme::common.loader_icon