الأخ الأكبر من الأكبر
الأخ الأكبر من الأكبر
جوزف الهاشم
Friday, 06-Mar-2026 04:14

كان علينا، والوضع في أقصى مآسيه، أنْ ندعو إلى الإلتقاء في مجلس عزاء للترحُّم على الشهداء، وأن نجول على مراكز الإيواء لمؤانسة النازحين والذين منهم يفترشون أرصفةَ الشوارع ومقاعد السيارات.
ولكنْ، إنّ للحدث المفجع ذيولاً ومضاعفات لا يصحّ إغفالُها.
طالما كنّا نُنبِّه إلى خطورة المغامرات وسوء التقدير في حسابات المصير، ولا سيما بعد هذا التحوُّل الذريع في معادلات القوى على المستوى المحلّي والإقليمي والدولي، وإنّ أيّ مرافعةٍ أو مدافعة عن المضيِّ في المواجهة المسلّحة في ظلّ هذا الإختلال الفادح في ميزان القوى، هو أولاً: نوعٌ من الإنتحار، وهو ثانياً: نوعٌ من الإستخفاف بذكاء الناس واحتقار لعقولهم.
وكنّا، مراعاةً للخواطر نغضّ الطرف عن استنباط الإجتهادات التي يلجأ إليها على الشاشات بعضٌ من أصحاب الوعي الفكري من إخواننا الشيعة لتبرير قدسيّة التمسّك بالسلاح، ونحن نعرف أنّ رجاحة العقل الشيعي لا ينطلي عليه التفكير بأنّ المقاومة بالسلاح أصبحت وبالاً على أصحابها.
ولأنّني أعرف الأسباب والدوافع، والأهداف والمراجع، لا أريد الغوص في دهاليز الحرب وأسبابها ومسبّبها وظروفها ومالها وسلاحها وتوقيتها ونتائجها.
ولا أريد أنْ أصعِّب الشواهد على المستوى الستراتيجي للمقارنة بين الإجتهادات والوقائع، وبين مناطحة الثور الهائج مع نزيف الدم، أو مواجهته بالشرشف الأحمر.
ولكنني ببساطة أسأل:
لماذا تشنّ إسرائيل غارات على حزب الله في العراق وحزب الله في لبنان تحديداً؟
ولماذا مثلاً لم تستهدف إسرائيل حركة أمل في لبنان كمثل ما تستهدف حزب الله؟
ولماذا اقتصر قصفها الصاروخي على مخازن السلاح، وبيئة السلاح، واغتيال المقاومين بالسلاح، كمثل مَن يغتال نفسَه؟
سؤالٌ آخر أكثر استدلالاً.
لو أنّ إيران لم تجهّز أذرعاً لها مدجّجة بالسلاح في: قطاع غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن بهدف إزالة إسرائيل من الوجود، فهل كانت إسرائيل مع أميركا تشنّ حرباً طاحنة على إيران؟ وهل إيران تدخل أيضاً في جغرافية إسرائيل التوراتية؟
مهلاً: منعاً لانطلاق الألسنة بالثرثرة، أنا لا أعترض على هدف إزالة إسرائيل من الوجود وقد كنت قلماً ولساناً أحد الذين يواجهونها حتى الإندحار، بل أعترض على تلك البطولات المتهوّرة التي أمّنت لإسرائيل فرَصَ إزالة أعدائها من الوجود، ونحن منهم.
على علمنا أنّ الأخ الأكبر الرئيس نبيه بري قد استحصل على التزام حزب الله بعدم إطلاق طلقة واحدة على إسرائيل حتى ولو شنّت حرباً على إيران.
فهل هناك أخٌ أكبر من الأكبر أصدر الأمر بتوريط لبنان في المحرقة الإسرائيلية خدمة لمصلحة إيران، بلْ خدمة أكبر لإسرائيل، كمثل مَنْ يجعل نفسَهُ عميلاً لها؟
وهل أنّ الأخ الأكبر من الأكبر أصدر أمراً بإطلاق صاروخ واحد على إسرائيل يوم أقدمت على اغتيال الشهيد الأكبر السيد حسن نصرالله؟
لو أنّ السيد حسن لا يزال حيّاً، لمَا كان أقدم على هذه المغامرة القاتلة، لأنَّ السيد حسن لم يكن من الذين يتلقّون الأوامر بل من الذين يصدرونها؟
إذا كان هدف المقاومة هو الدفاع عن الأرض والشعب والوطن، فأين أصبحت المقاومة وبيئة المقاومة، وأين أصبح "الشعب والجيش والمقاومة والوطن"؟
هذه المعادلة القائلة: "إذا انتصرنا انتصرنا وإذا استشهدنا انتصرنا" لها دلالات أخرى في الفقه الديني، إذْ كيف يصحّ في الدين أن يكون الموتُ هدفَ الحياة؟
وكيف يصحّ للشهيد المنتصر أن يخلّف وراءه قوماً مشرّداً نازحاً نازفاً يجرّ أذيال الجوع والذلّ وأي معنى يبقى للشعار: "هيهات منّا الذلة؟".
إستشهاد الإمام الحسين لم يكن موتاً للموت، بل كان حياة للأمـة التي يفتديها، وتصويباً لخط الإنحراف الديني.
رجاءً: لقد آن أوان الصلاة على النبي وقراءة كتاب نهج البلاغة بإمعان، لإنقاذ لبنان.

theme::common.loader_icon