تواصل سرّي: ترامب أمام معضلة تغيير النظام الإيراني
تواصل سرّي: ترامب أمام معضلة تغيير النظام الإيراني
مايكل كراولي، جوليان بارنز، ورونين بيرغمان - نيويورك تايمز
Thursday, 05-Mar-2026 06:28

بينما تتواصل الضربات الأميركية - الإسرائيلية على إيران، بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ينظر إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة: مَن سيحكم طهران بعد ذلك؟ في العلن، يرفض القادة الإيرانيّون الذين بقوا على قيد الحياة أي تفاوض مع واشنطن لوقف الهجوم. لكن خلف الستار، الصورة أكثر تعقيداً.

بحسب مسؤولين في الشرق الأوسط ودولة غربية اطّلعوا على التفاصيل، فإنّ عناصر من وزارة الاستخبارات الإيرانية تواصلوا، بعد يوم واحد من بدء الضربات، مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عبر جهاز استخبارات لدولة ثالثة، عارضين بحث شروط لإنهاء النزاع. العرض لم يُعلن رسمياً، ولم تؤكدّه طهران أو واشنطن، كما امتنعت وكالة الاستخبارات عن التعليق.

 

في واشنطن، لا يُنظر إلى هذه المبادرة على أنّها جدّية في المدى القريب. مسؤولون أميركيّون يعتقدون أنّ لا إدارة ترامب ولا القيادة الإيرانية مستعدتان فعلياً لمخرج تفاوضي سريع. ومع ذلك، يُثير التواصل السرّي سؤالاً محورياً: هل يوجد داخل إيران مَن يملك السلطة الفعلية لإبرام اتفاق وقف إطلاق نار، فيما تتعرّض النخبة الحاكمة لاستهداف منهجي؟

 

الموقف الإسرائيلي واضح. الحكومة في إسرائيل تضغط من أجل حملة طويلة تُلحق أكبر ضرر ممكن بالقدرات العسكرية الإيرانية، وربما تُسقط النظام نفسه. وقد حثّ مسؤولون إسرائيليّون واشنطن على تجاهل المبادرة الإيرانية. في هذا السياق، كتب ترامب على وسائل التواصل، أنّ الوقت «فات» للتفاوض، بعدما كان قد لمّح سابقاً إلى انفتاحه على صفقة.

 

في تصريحات لاحقة، أقرّ ترامب بأنّ كثيراً من الشخصيات الإيرانية التي كانت واشنطن تعتبرها محتملة للقيادة، قد قُتلت. كلامه عكس ارتباكاً: إذا كان الهدف تغيير السلوك الإيراني، فمَن هو الطرف الذي سيُوقِّع؟

في الأيام الأولى للهجوم، روّج ترامب لفكرة انتفاضة شعبية تُطيح النظام وتأتي بقيادة جديدة. لكنّ نبرته بدت أكثر براغماتية لاحقاً، مع تلميحات إلى أنّ السيناريو الأفضل قد يكون صعود شخصيات أقل أيديولوجية من داخل البُنية القائمة نفسها.

 

الحدّ الأدنى من الشروط الأميركية يبدو واضحاً: تخلي إيران عن برنامجها الصاروخي الباليستي أو تقليصه جذرياً، والحدّ من برنامجها النووي، ووقف دعم حلفاء إقليميّين مثل «حزب الله». في المقابل، لمّح ترامب إلى إمكانية إبقاء القيادات الباقية على نفوذها الاقتصادي والسياسي.

ولشرح رؤيته، استحضر ترامب نموذجاً آخر: فنزويلا. بعد اعتقال الولايات المتحدة لنيكولاس مادورو، أعلن أنّ واشنطن نجحت في فرض شروطها مع مطالب محدودة بالإصلاح السياسي: «ما فعلناه هناك هو السيناريو المثالي. القادة يمكن اختيارهم».

 

غير أنّ هذا التصوُّر قد يكون أقرب إلى وهم. أولاً، ليس مؤكّداً أنّ إيران مستعدة فعلاً لصفقة، على رغم من القنوات الخلفية. بعض دوائرها قد تعتقد أنّها قادرة على إيلام الولايات المتحدة وإسرائيل بما يكفي لفرض وقف للهجوم. في الوقت نفسه، يواجه ترامب ضغوطاً داخلية من حلفاء جمهوريِّين غير راضين عن مسار العملية.

 

الاختلاف في الأهداف بين واشنطن وتل أبيب حاضر بقوّة. محلّلون يرَون أنّ إسرائيل لا ترغب في حل «على الطريقة الفنزويلية»، خصوصاً إذا أتى بشخص من داخل الحرس الثوري الإيراني، القوّة العسكرية-الاقتصادية التي تمسك بمفاصل واسعة من الدولة. بعض التقديرات تشير إلى أنّ بين صفوفه، براغماتيِّين يهمّهم الحفاظ على السلطة والثروة أكثر من الالتزام الصارم بالأيديولوجيا الثورية.

في تطوُّر لافت، استهدفت إسرائيل مجمّعاً كان يجتمع فيه رجال دين كبار لاختيار خليفة للمرشد الأعلى، علي خامنئي، الذي قُتل في ضربة جوية سابقة. هذا الحدث يعمّق حالة الفراغ في قمة الهرم.

 

قبل بدء الهجوم، أعدّت وكالة الاستخبارات المركزية تقييماً لسيناريوهات القيادة المحتملة بعد ضربة أميركية - إسرائيلية. لكنّ المطلعين على التقرير أشاروا إلى أنّ هامش عدم اليقين كان كبيراً للغاية، وأنّ المتغيّرات أكثر من أن تسمح بتوقع دقيق.

بعض صنّاع القرار في واشنطن يستبعدون احتمال استيلاء المعارضة الإيرانية على السلطة. تركيزهم ينصبّ على احتمال بروز مجموعة من الحرس الثوري كصوت مهَيمن. السؤال الآن: هل سيبقى من هؤلاء مَن يملك القدرة على الحُكم بعد موجات الاستهداف؟

 

حتى لو سقط النظام، لا ضمانة بأنّ البديل سيكون ديمقراطية ليبرالية صديقة لواشنطن. باحثون يشيرون إلى أنّ دولة تولد من رحم حرب مع الولايات المتحدة قد لا تميل تلقائياً إلى التحالف معها.

ترامب أقرّ بهذا الخطر، متسائلاً عمّا إذا كان البديل قد يكون «سيّئاً مثل السابق». وعندما سُئل عن إعادة تنصيب رضا بهلوي، نجل الشاه الراحل، بدا غير متحمّس، مفضِّلاً شخصية «موجودة حالياً وتحظى بشعبية» إن وُجِدت.

 

تجارب سابقة تُظهر صعوبة العثور على «معتدل إيراني» يمكن الرهان عليه. الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما توصّل عام 2015 إلى اتفاق نووي مع طهران، قبل أن ينسحب منه ترامب في 2018. آنذاك، سخر وزير الدفاع الأسبق روبرت غيتس من البحث المستمر عن هذا المعتدل «المراوغ».

 

المشهد اليوم أكثر ضبابية. الحرب قد تفتح باباً لصفقة كبرى، أو لفوضى ممتدة. بين القنوات السرّية والقصف العلني، يبقى السؤال: هل يمكن هندسة نظام سياسي من الجو، أم أنّ المجتمعات أعقد من أن تُعاد برمجتها بالضربات؟ التاريخ يميل إلى الاحتمال الثاني، لكنّه لا يكفّ عن مفاجأتنا.

theme::common.loader_icon