الإعلام المُرتزَق من التسطيح إلى التحريف
الإعلام المُرتزَق من التسطيح إلى التحريف
محمود القيسي
Tuesday, 03-Mar-2026 06:52

قال الكاتب الفرنسي الشهير فولتير: «الصحافة الحقيقية هي آلة يستحيل كسرها، وستعمل على هدم العالم القديم حتى يتسنّى لها أن تُنشئ عالماً جديداً». وقال تشارلز دانا: «إنّ الذريعة الوحيدة لتعلُّم الصحافة هي أن تفترش الصحف وتقتات الحبر».

أصبحت بعض وسائل وأدوات وغُرز الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية مجرّد أدوات ووسائل للدعاية والتحريض لهذا وذاك، أو على هذا وذاك. في بلد كلبنان، يأكله العث السياسي والمالي والفساد من كلّ حدب وصَوب، الإعلام شريك المضارب بالفساد الذي يعيش على المعلومة مهما كانت مصادرها وصحّتها، كرمى لأجندة من هنا أو أجندة من هناك. إعلام صانع لنجوم شاشات.

 

كتاب المفكّر الفرنسي باسكال بونيفاس، «المثقفون المغالطون: الانتصار الإعلامي لخبراء الكذب»، يُلخّص أبرز الأفكار والمحاور التي يستخدمها الإعلام المدفوع سلفاً والمرتزق:

 

• نقد «المثقف النجم»: يركّز بونيفاس في كتابه على ظاهرة «المثقفين الإعلاميِّين» الذين يظهرون بكثافة في القنوات الإخبارية والبرامج الحوارية. ويرى المؤلف أنّ هؤلاء ليسوا باحثين جادّين، بل «نجوم إعلام»، يُجيدون قول ما يطلبه الجمهور أو ما يخدم أجندات سياسية معينة، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة العلمية والمنهجية والواقعية.

• صناعة «الكذب» والتضليل: يوضّح الكتاب كيف يُزيِّف بعض المثقفين والخبراء الحقائق لتعزيز وجهات نظرهم السياسية.

 

• التحيُّز الأعمى: الدفاع عن قضايا معيَّنة (مثل الصراعات الدولية) بناءً على المصالح لا المبادئ.

• ازدواجية المعايير: إدانة أطراف معيّنة والتغاضي عن جرائم أطراف أخرى.

• السيطرة على الرأي العام: يشرح بونيفاس كيف ينجح هؤلاء «المغالطون» في احتكار الفضاء العام. فبسبب علاقاتهم القوية مع المؤسسات الإعلامية، يصبحون هم المصدر الوحيد للمعلومة والتحليل، ممّا يؤدّي إلى تهميش المثقفين الحقيقيِّين والنزهاء الذين يرفضون الانصياع للغة «البروباغندا».

 

• «خبراء الكذب» والسياسة الخارجية: يتناول الكتاب بشكل خاص كيف يُستخدَم هؤلاء «المثقفون» لتبرير الحروب والتدخّلات العسكرية (خصوصاً في الشرق الأوسط). ويرى بونيفاس أنّهم يلعبون دوراً خطيراً في تأجيج الصراعات و«شيطنة» الآخر عبر تحليلات تفتقر إلى الموضوعية.

• أحدث هذا الكتاب ضجّة كبيرة، لأنّ بونيفاس سمّى الأشياء بمسمّياتها، وهاجم بالأسماء شخصيات ثقافية، فلسفية، سياسية، وعلمية شهيرة. وكشف الكتاب عن «مطبخ» صناعة الرأي العام، وكيف يمكن للمثقف أن يتحوّل من منوّر للعقول إلى أداة للتضليل.

 

• خلاصة الكتاب: صرخة تحذيرية ضدّ تسييس الثقافة وتحوُّل المثقف إلى «بوق» دعائي، ويدعو القارئ إلى امتلاك حِس نقدي تجاه ما يُقدِّمه الإعلام تحت مسمّى الخبرة، التحليل، أو السبق الصحفي، الكذب والتلفيق!

تشير نزاهة الإعلام إلى قدرة وسيلة إعلامية على خدمة المصلحة العامة والعملية الديمقراطية، ممّا يجعلها قادرة على الصمود أمام الفساد المؤسسي داخل النظام الإعلامي، اقتصاد النفوذ، التبعية المتضاربة، والمحسوبية السياسية.

 

تشمل المصداقية عنصرَين: موضوعي وذاتي، يُحدِّدان مدى مصداقية المصدر أو الرسالة. وتُعتبَر المصداقية أساسية في العديد من المجالات لإثبات الخبرة، إذ تلعب دوراً محورياً في الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي.

أهمّية الإعلام في المجتمع عديدة ومتعدّدة الأبعاد، وهو عنصر لا يمكن إغفاله في بناء المجتمع الحديث. فهو ليس فقط وسيلة لنقل الأخبار والمعلومات، بل أيضاً منصة لتبادل الأفكار والتواصل بين أفراد المجتمع.

 

المقصود بالمصداقية هنا ﻫﻲ ﻛﻮنها ﻗﺎبلة للتصديق، بمعنى أنّ سياستها المعلنة تطابق سياستها غير المعلنة، وأنّها صادقة في فعلها مثل قولها وهذا ما يضفي عليها هالة من الصدق والاحترام والتقدير.

أصبح من الضروري التحقق من معايير ومصداقية ومهنية الوسائل والأداء الإعلامي، إذ تؤدّي وظائف متعدِّدة، بالإضافة إلى الوظيفة الإخبارية. ويعتمد نجاحها في تحقيق وظائفها كافة على قدرتها على كسب ثقة الجمهور. ووفقاً للممارسات الفضلى في العالم، فإنّ مستوى الثقة يرتبط بمستوى المصداقية وتاريخ الوسيلة في الصدق.

 

طوّرت العديد من مراكز الأبحاث العلمية مجموعة من المعايير بالاستناد على المبادئ الأخلاقية والقواعد المهنية التي حفلت بها المواثيق والإعلانات العالمية والممارسات الفضلى في أعرق المؤسسات الإعلامية... وتخص فحص مصداقية الوسيلة، أي إجمالي أداء الوسيلة خلال فترة محدّدة، بما يُضفي مزيداً من المهنية على أداء الوكالات، المراكز، والمواقع الإعلامية وعدم الاكتفاء بالتحقق من المحتوى الإخباري.

theme::common.loader_icon