تغيير السلوك أم تغيير الجغرافيا؟
تغيير السلوك أم تغيير الجغرافيا؟
جوني منيّر
Monday, 02-Mar-2026 05:02

قد يكون السؤال الأهم الواجب طرحه: ماذا بعد غياب مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي؟ واستطراداً، إلى أي وجهة ستذهب إيران ومعها المنطقة؟ فإطلاق آلة الحرب لحظة تنفيذ اغتيال خامنئي، لا بدّ أن يكون سبقه درس وافٍ وتخطيط مشبع حول المشهد التالي المرسوم لإيران، تلك الدولة التي تمتاز بموقع جغرافي فائق الأهمية ما جعلها نقطة إرتكاز إقليمية، والتي تحتضن في الوقت نفسه تلاوين قومية مختلفة، تتأثر وتؤثر في آن معاً بالدول المحيطة.

لم تختلف كثيراً الخطوط العريضة للتخطيط العسكري الإسرائيلي والأميركي المشترك ضدّ إيران، عن التخطيط الذي اعتُمد في المواجهة الأولى في حزيران الماضي، باستثناء أن تشكّل عملية اغتيال الرجل القوي، والذي يمسك بمفاصل السلطة، ساعة الصفر لبدء الحرب على إيران. وهو ما يعطي الإنطباع الفوري بأنّ الهدف الأساسي هو القضاء على النهج الذي يحكم إيران. لكن ثمة تشعبات كثيرة لا تزال تختبئ خلف الدخان الكثيف المتصاعد. ومع بدء العملية العسكرية الأميركية ـ الإسرائيلية المشتركة، والتي تمّ التخطيط لها طويلاً، التزمت القوة الجوية الإسرائيلية تنفيذ عمليات الإغتيال، والتي طاولت شخصيات من الصف الأول وفي طليعتها خامنئي، ومن بعدها الشخصيات البديلة من الصف الثاني، فيما تولت القوة الجوية الأميركية تدمير المواقع العسكرية الصاروخية والمقار القيادية التابعة للحرس الثوري الإيراني. وإذا كان التفسير الأولي للمواقع المستهدفة بأنّها في إطار تقويض ركائز الحكم التي تستند إليها السلطة القائمة، إلّا أنّ السؤال الذي ما برح يتردّد هو حول البديل الذي سيخلف خامنئي، والصورة المستقبلية لإيران. وبدا هنا أنّ السلطات الإيرانية لم تنجح في سدّ الفجوات التي ظهرت في حرب حزيران وفي طليعتها الخروقات الأمنية الخطيرة، بدليل النجاح في الوصول إلى رأس النظام. كذلك ظهر زيف الإدّعاء بترميم قدرات الدفاع الجوي عبر الحصول من الصين على منظومة دفاع جوي متطورة. لا بل بدت الصورة العسكرية مشابهة تماماً لليلة التي شهدت وقف إطلاق النار.
ومع استهداف وجوه الصف الأول وأيضاً وجوه الصف الثاني المؤهلين للحلول مكانهم، ظهر هدف جديد من خلال الأسماء المستهدفة. فلقد بدا أنّ ثمة توجّهاً للقضاء على الطبقة الإيديولوجية، بغية إحداث فراغات يمكن أن تسمح بوصول أشخاص أكثر براغماتية. كما لوحظ تركيز في العمليات العسكرية لناحية نسف العلاقة والتنسيق بين الحرس الثوري والجيش الإيراني. ومن هذه الزاوية يمكن تفسير اغتيال رئيس أركان الجيش، والذي كان يحمل مهمّة التنسيق الدائم مع الحرس الثوري.
ومع انطلاق العملية، ساد اعتقاد بأنّ واشنطن تريد عملية سريعة تنتهي في غضون أسبوعين كحدّ أقصى، أما طهران فستسعى لإطالة أمد الحرب إلى الحدّ الأقصى الممكن، للوصول إلى مرحلة تغرق فيها واشنطن وتل أبيب في وحول لا بل في رمال متحركة. فبسبب التفاوت الكبير في موازين القوة، من المنطقي أن تسعى طهران لجرّ الوضع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، وأن تعمد في الوقت نفسه إلى التضييق على الإقتصاد العالمي من خلال خنقها لحركة النقل البحري عبر مضيق هرمز. لكن، وخلافاً لما كان أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع بدء العملية، فإنّ المصادر الأميركية بدأت تتحدث عن حاجة العملية لوقت أطول، وأنّ هذا ما تمّ التخطيط له.
لكن ثمة أوجهاً أخرى لا يمكن إهمالها. فما أن انطلقت العمليات العسكرية، حتى بدأ التداول بخرائط تؤشر لإيران إتحادية. والمقصود هنا الذهاب إلى صيغة حكم مستقبلية جديدة وفق الصيغة الإتحادية، وتضمّ مناطق كردية وعربية وبلوشية وأذرية، تتمتع بالحكم الذاتي ولو ضمن إطار الحدود الواحدة. ومن دون أدنى شك، فإنّ هذه النظرة تسعى إليها إسرائيل، في إطار تفتيت المنطقة، وهو الذي ما برح يعبّر عنه بنيامين نتنياهو منذ اندلاع عملية السابع من أوكتوبر وفق عبارة "تغيير وجه المنطقة".
لكن هل يجاري البيت الأبيض سعي نتنياهو لتفتيت المنطقة؟ عندما أعلن ترامب خبر موت خامنئي ألحق ذلك بإعلان معرفته بالأسماء التي قد تخلفه. وهو قد يكون أراد بإشارته هذه التلميح إلى خليفة "متعاونة" وتحمل تصوراً سياسياً مختلفاً عن الإستراتيجية المتشدّدة التي انتهجها خامنئي. وهو ما يعني أنّه أشار ضمناً إلى رهانه على استمرار الدولة الإيرانية وفق الصيغة نفسها التي تقوم على أساسها الآن. ما يعني فنزويلا جديدة ولكن بحلة إيرانية. لكن مشروع اليمين الإسرائيلي يختلف كلياً. فنتنياهو يعتبر أنّ الفرصة الموجودة أمامه الآن لا تحصل سوى مرّة واحدة في التاريخ. فها هي الساحة الإيرانية مفتوحة أمام قوته الجوية، والأهم أنّ القوة العسكرية الجوية الأميركية تشاركه العمليات. وهو ما يعني أيضاً أنّ نتنياهو نجح في جرّ ترامب إلى ملعبه، وهو يريد التوغل لتحقيق المشروع ـ الحلم، بتفتيت المنطقة مرّة واحدة وإلى الأبد. ولذلك ربما نسمع من إسرائيل أنّ العمليات ستطول بعض الوقت.
ومن المعروف أنّ إيران بحدودها الحالية تمتاز بمزايا جغرافية مهمّة ومتعددة. فهي تشكّل محوراً أساسياً، حيث تربط بين جنوب آسيا والقوقاز وآسيا الوسطى. وبالتالي تعتبر إيران نقطة ارتكاز إقليمي تتفاعل بقوة مع باكستان النووية والهند الصاعدة والصين المنافسة على الزعامة العالمية، والقوقاز المهمّ استراتيجياً، والعالم العربي الغني بالطاقة وفي الوقت نفسه بالتناقضات الدينية. وتالياً فإنّ أي اهتزاز للتركيبة الإيرانية والقائمة على التعددية القومية، سيؤدي إلى تأثيرات مباشرة على كل محيطها. فالموقع الجغرافي لإيران يشكّل بطريقة أو بأخرى قاعدة للترابط الإقليمي. وهي النقطة التي تريدها إسرائيل، وتعتبر أنّ الفرصة الموجودة لا تعوّض للذهاب إلى "تغيير وجه المنطقة".
لكن الخطأ الذي ترتكبه طهران، والذي يساعد إسرائيل في الذهاب إلى مشروعها، كان باستهداف دول الخليج العربي، بما فيها سلطنة عمان، وهي البلد الذي شكّل طوال المراحل الماضية خزنة أسرار النظام الإيراني في علاقاته الخارجية. وهو ما يعني أنّ الجناح الأكثر تشدّداً، وإثر غياب مرشد الثورة، اندفع في سلوك عسكري متهور وغير محسوب. وهذا ما يؤشر أيضاً إلى تفكّك الإمرة العسكرية العليا، والتي زاد من وطأتها غياب خامنئي.
والتبريرات التي حاول تسويقها وزير الخارجية عدنان عراقجي، والمحسوب أساساً على الجناح الإصلاحي، لم تكن مقنعة. فإذا كان المقصود التصويب على القواعد العسكرية الأميركية فلماذا استهداف المناطق المدنية والحيوية والمطارات؟ كذلك، فإذا كانت القواعد الأميركية هي الهدف، فلماذا لم يجر استهداف القواعد الموجودة في تركيا على سبيل المثال؟. كما أنّ التبرير بأنّ المقصود بذلك دفع حكومات الدول الخليجية للتحرك والضغط على إدارة ترامب لوقف العدوان الحاصل، لم يكن مقنعاً كفاية. إذ إنّ الرسائل في هذا الإتجاه يمكن أن تكون محدودة ورمزية لتؤدي الغرض منها، وهو ما لم يحصل. وبالتالي كان واضحاً أنّ القصف الإيراني كان يستهدف العواصم الخليجية ولأهداف تتعلق بالتناقضات القائمة.
ويبقى السؤال الأساسي حول لبنان ومآل الأمور فيه، وسط هدوء قلق، خشية انضمام "حزب الله" إلى مساندة إيران، وبالتالي منح الذريعة لإسرائيل لإشعال حرب مجنونة جديدة. وعلى رغم من الغموض الذي اكتنف الموقف الحقيقي لـ"حزب الله" من مسألة مساندة إيران، إلّا أنّ أي ردّ فعل "صاروخي" لم يُسجّل من لبنان مع بدء الحرب على إيران. وثمة من يعزو ذلك إلى أمر من اثنين: إما أنّ بيئة "حزب الله" شكّلت عامل ضغط منعته من الذهاب إلى مغامرة ستؤدي إلى دمار جديد، وسط تحذيرات ساهم في جزء منها الرئيس نبيه بري. أم أنّ الضربات الجوية الإسرائيلية، والتي حصلت خلال الأيام الماضية عطّلت هذه الإمكانية. فالإستهداف الجوي الإسرائيلي كان مختلفاً خلال الأيام الماضية عمّا سبق. فالطائرات الإسرائيلية عمدت إلى استهداف الأنفاق والمخازن المحفورة داخل الجبال في إقليم التفاح وجبل الريحان والسلسلة الشرقية ومناطق البقاع الشمالي بقنابل إرتجاجية. وهي عمدت خصوصاً إلى تدمير مداخل هذه الأنفاق، والتي يشتبه بتخزينها للصواريخ، ما يعطّل الدخول إليها في انتظار إعادة فتح مداخل أخرى. وترافق ذلك مع اغتيال ثماني كوادر لـ"حزب الله" متخصصين في إطلاق الصواريخ، في عملية تجاوزت السياق الذي كان قائماً. وكانت قيادة الحزب قد توقفت طويلاً أمام الأهداف الإسرائيلية من الإستهدافات الأخيرة، وخرجت بانطباع أنّ إسرائيل تسعى للحدّ من القدرة الصاروخية لـ"حزب الله"، ما يعني ذلك تمهيداً لعمل كبير قريباً.
في كتابه "حرب"، والذي أصدره منذ أكثر من عام، كشف الصحافي الأميركي البارز بوب وودورد وهو المعروف بأنّه من كشف فضيحة "ووترغيت" الشهيرة، عن جوانب مهمّة من شخصية دونالد ترامب. يروي وودورد أنّه تعرف في شباط 1989 في مناسبة إجتماعية إلى ترامب، والذي كان معروفاً يومها بأنّه قطب عقاري في نيويورك. وفي هذا اللقاء طلب ترامب إجراء مقابلة معه، وهو ما حصل في اليوم التالي، ولكن من دون أن يستطيع وودورد نشرها. وبعدما انتُخب ترامب رئيساً في العام 2016 زاره وودورد في مكتبه في البيت الأبيض. وهنا ذكّره ترامب بالمقابلة التي لم تُنشر وطلب منه العودة إليها لأنّها تختصر شخصيته. وعند عودته إلى مكتبه شرع وودورد في البحث عنها ليجدها أخيراً. وفي هذه المقابلة أظهر ترامب اقتناعه الراسخ بأهمية الحدس، ومعتبراً أنّ القلة التي تمتلك هذه الغريزة تستطيع إنجاز أمور لا يمكن للآخرين الإقتراب منها. وتابع: "أنا أنفّذ صفقاتي العقارية في شكل غرائزي. ولقد كانت أسوأ صفقاتي تلك التي قمت بها متجاهلاً غرائزي، وأفضلها عندما اتبعتها، ولم أستمع إلى من أخبروني باستحالتها".
ولا شك في أنّ شخصية ترامب، والتي تتحكّم بقراراته، تستند إلى حدسه وغريزته. ومن هنا ربما صعوبة التنبؤ بخطوته التالية. لكن الخشية من أن يكون نتنياهو يحوز على جانب من هذه الغريزة، ما سيعني عندها أنّ المشوار الإيراني الحربي، والذي دخلناه لتونا، مرشح لمسار صعب وخطر ومعقّد.

theme::common.loader_icon