النظام الإيراني قد ينجو لكنّ الشرق الأوسط سيتغيّر
النظام الإيراني قد ينجو لكنّ الشرق الأوسط سيتغيّر
ستيفن إرلانغر- نيويورك تايمز
Monday, 02-Mar-2026 04:46

المرشد الأعلى لإيران قُتل، لكن سيكون هناك مرشد آخر. وسيُستبدَل القادة العسكريّون الذين قُتلوا. إنّ نظام حُكم أُنشئ على مدى 47 عاماً، لن يتفكّك بسهولة تحت وطأة القوّة الجوية وحدها. ولا تزال إيران تحتفظ بالقدرة على الردّ على الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية، ومسار الحرب غير واضح. لكنّ الجمهورية الإسلامية، التي كانت ضعيفة وغير شعبية أصلاً، باتت الآن أكثر تراجعاً، إذ وصلت قوّتها في الداخل وفي المنطقة إلى أحد أدنى مستوياتها، منذ أن تولّى قادتها السلطة خلال الثورة التي أطاحت بالشاه الإيراني المدعوم من الولايات المتحدة في 1978-1979.

حتى لَو لَم يسقط النظام، وهو ما يظلّ الهدف المعلن للرئيس دونالد ترامب، فمن المرجّح أن تكون لهذا الهجوم الضخم عواقب استراتيجية في الشرق الأوسط مماثلة لانهيار الاتحاد السوفياتي.
آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى الذي قُتِل صباح السبت، حافظ على عداء غريزي تجاه إسرائيل والولايات المتحدة، وكان يصفهما باستمرار بـ«الشيطان الأكبر». وقد بنى شبكة إقليمية من الميليشيات الوكيلة التي أحاطت بإسرائيل، وشاركته الكراهية نفسها ومُوِّلت لإلحاق الضرر بها. فقد خَدَم «حزب الله» في لبنان، «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في غزة والضفة الغربية، والحوثيّون في اليمن - جميعهم في مهاجمة المصالح الإسرائيلية وحماية إيران نفسها.
طوّرت إيران برنامجها الصاروخي بتخصيب اليورانيوم إلى مستوى يقترب من درجة صنع القنبلة، حتى بينما كانت تنفي رغبتها في امتلاك سلاح نووي. وأصبحت قوّة إقليمية قوية إلى درجة أنّ القادة السُنّة في السعودية ومصر ودول الخليج سعوا إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع نظام إسلامي شيعي كان يُهدِّدهم أيضاً.
بدأ تراجع إيران قبل عامَين، مع الردّ الإسرائيلي القاسي والمستدام على غزو نفّذته «حماس» من غزة. وتسارَع ذلك عندما أضعفت إسرائيل الدفاعات الجوية الإيرانية، هزمت «حزب الله»، واستفادت من الثورة السورية التي أطاحت بشار الأسد، حليف طهران الآخر. لكن الآن، مع وفاة آية الله والدمار المكثّف الناتج من القصف الجوي، تراجع النفوذ الإقليمي لإيران أكثر، مع عواقب غير مؤكّدة ستتضح على مدى أشهر وحتى سنوات.
أوضحت صنم وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في «تشاتام هاوس»، المجموعة البحثية في لندن: «إنّ الجمهورية الإسلامية كما نعرفها لن تبقى على قيد الحياة. لن يكون الشرق الأوسط كما كان من قبل. فعلى مدى 47 عاماً، عاش الشرق الأوسط مع نظام معادٍ وقوّة مزعزِعة للاستقرار، حاول أولاً عزلها ثم إدارتها». وأضافت أنّ النظام قد يُفكَّك الآن، وقد يظهر شيء جديد ومختلف. وقد يتبيَّن أنّ تلك القيادة أقل وِداً تجاه واشنطن، خصوصاً إذا هيمنت عليها قوات الحرس الثوري الإسلامي تحت مرشد أعلى آخر أكثر طواعية.
ومهما يكن مَن يتولّى القيادة، فإنّ إيران ستكون ضعيفة بشدّة على المدى المتوسط، وأكثر انكفاءً إلى الداخل، وتُركّز على المنافسة السياسية والأمن الداخلي والفوضى الاقتصادية، بحسب وكيل. لكن في الأيام المقبلة، قد تنشر إيران مزيداً من الفوضى قصيرة الأمد، بينما تحاول قيادتها الحالية إنهاء الحرب مع الحفاظ على النظام.
ستحاول إيران رفع الكلفة بسرعة على إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما في الخليج «لإجبارهم على التراجع، قبل أن ينجح ذلك في زعزعة استقرار النظام»، بحسب إيلي جيرانمايه، نائبة رئيس برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.
إنّ زيادة الهجمات على الدول العربية في الخليج أمر محفوف بالمخاطر، لكنّه قد يكون أفضل فرصة لإيران لتقصير أمد الحرب، إذ قد يدفع العالم العربي إلى الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل لإنهاء حملتهما. ويشرح ولي نصر، خبير الشؤون الإيرانية في كلية الدراسات الدولية المتقدّمة بجامعة جونز هوبكنز في واشنطن: «إنّ هدف إيران الآن هو امتصاص الهجمات الأميركية والإسرائيلية، الحفاظ على موقعها، الإشارة إلى توسيع نطاق الحرب، وانتظار أن يتوسط الفاعلون الإقليميّون القلقون لوقف إطلاق النار. إنّهم يتوقعون أنّه إذا لم يحصل ترامب على نصر سريع فسيسعى إلى مخرج، وأنّ المفاوضات بعد ذلك ستكون مختلفة».
وقد تأتي الميليشيات الوكيلة لإيران في أنحاء الشرق الأوسط أيضاً للدفاع عنها، ممّا يزيد كلفة حرب طويلة، وفقاً لعلي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية البحثية. وأضاف: «إذا انخرط «حزب الله» بالكامل من لبنان، وإذا ضربت الميليشيات قواعد أميركية في العراق وسوريا، أو إذا صعّد الحوثيّون في البحر الأحمر، فإنّ هذا لم يعُد نزاعاً ثنائياً بل يصبح حرباً على مستوى المنطقة تمتد عبر الشرق الأوسط». ومن شأن حرب أوسع أن يكون لها تأثير كبير على المدى الطويل على أسعار النفط والتضخُّم، خصوصاً إذا تمكنت إيران من إغلاق مضيق هرمز، ممر الشحن الدولي الرئيسي.
لكن على المدى الطويل، فإنّ إيران المنشغلة بمشكلاتها الداخلية (تجنّب انقسام النخب وتوطيد قيادة جديدة أو حتى التحرُّك نحو قيادة أكثر تشاوراً، مع نفوذ أقل لرجال الدين وتقاسم أكبر للسلطة) لن تمتلك الطاقة أو الموارد للتدخّل في المنطقة، وقد يفتح ذلك فرصاً جديدة للبنان وللفلسطينيِّين، كما حدث بالفعل للسوريِّين. ويترك ذلك إسرائيل في موقع صاعد، ما يجعلها أكثر رسوخاً كحقيقة لا يمكن اقتلاعها في المنطقة، ينبغي على الدول السنّية التكيُّف معها. وقد تتولّى حكومة جديدة وأكثر اعتدالاً السلطة في إسرائيل بعد الانتخابات. ومع تحييد إيران، قد تشعر بأنّ لديها تفويضاً للبناء على وقف إطلاق النار في غزة والتفاوض بجدّية مع الفلسطينيِّين، تحت ضغط من واشنطن والسعوديِّين.
تُفضّل إسرائيل نفسها تغيير النظام، بحسب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لكنّها ستكون راضية، برأي محلّلين، عن إيران منقسمة ومكسورة وغارقة في الفوضى ومشغولة بمشكلاتها الخاصة، كما هي حال سوريا الآن.
وبافتراض عدم حدوث ثورة، فإنّ حكومة إيرانية مُعاد تشكيلها، لا تزال مضطرة للتعامل مع إسرائيل قوية والولايات المتحدة التي لا تستطيع الوثوق بها. وقد جعل النظام الحالي تخصيب اليورانيوم عنصراً أساسياً في جهوده لترسيخ القوة الإقليمية والردع. وقد رفض تغيير مساره، حتى بينما يبدو أنّ هذا الإصرار قرّبه من الدمار أكثر من أي سياسة أخرى، سواء كان ذلك دعم الإرهاب في الخارج أو القمع الواسع في الداخل.

theme::common.loader_icon