نصوص حرّة: ليست الأرضُ الاّ تراباً، وَتَسَعُ الجميع
نصوص حرّة: ليست الأرضُ الاّ تراباً، وَتَسَعُ الجميع
غازي منير قانصو

عضو اللجنة الوطنية للحوار الإسلامي - المسيحي

Monday, 02-Mar-2026 04:39

قال الأديب العربي الكبير الاستاذ عباس محمود العقاد: "لقد علمتني تجارب الحياة أنّ الناس تغيظهم المزايا التي ننفرد بها، ولا تغيظهم النقائص التي تُعيبنا، وأنّهم يكرهون منك ما يُصغرهم لا ما يُصغرك، وقد يرضيهم النقص الذي فيك؛ لأنّه يكبرهم في رأي أنفسهم، ولكنهم يسخطون على مزاياك؛ لأنّها تصغرهم أو تغطي على مزاياهم".

قول عميد الأدب العربي بحق، الاستاذ عباس محمود العقاد ليس تأملًا عابراً في طباع الناس، بل هو مرآة صافية ترينا خبايا النفوس، وتُعَرِّي دقائق النٌفسِ الإنسانية. فالناس، في كثير من الأحيان لا يؤلمهم أن يروك ناقصاً، وربما يريدون ذلك، بل يؤلمهم أن يروك متميزاً.
لا يغيظهم أن تتعثر، بل يغيظهم أن تثبت. ولا يثير حفيظتهم أن تخطئ، بل يثيرها أن تصيب، وإن أخطأت فرحوا؛ هالهُم فعلُك، ولم ينظروا إلى ما في أعينهم وضمائرهم، بل نظروا إليك نظر المغشيّ، ... .
إنّ النّقصَ، على قسوته على نفس أحدِنا، يُشعِرُ بعضَ الآخرين بنوع من التعادل الخفي؛ فهم يرون فيه ما يخفف عنهم وطأة مقارنة موجعة. أما الميزة أو النعمة الإلهية، فهي ضوءٌ كاشف، والنفوس الضعيفة لا تحب الأضواء؛ لأنّها تفضح ظلالها.
حين تحضرُ في ميدان، أو علم، أو إنجاز، فإنك لا تصغر أحداً قصداً، ولكن بعضهم يشعر بالصِّغر؛ لأنّه يشغلُ نفسه بالقياس، وبما عند الناس، لا يشغل نفسه بنفسه، ولا بما عنده.
وفي عالم يضيق بالمقارنات، تصبح فضيلة "الرجولة" تهمة، ويصبحُ كلٌ من الحضورِ والدّورِ استفزازًا غير مقصود. قد يغفرون لك ضعفاً؛ لأنّه يطمئنهم، ولكنهم لا يغفرون لك قوة؛ لأنّها تربك توازنهم الداخلي. هنا تنشأ الخصومات الصامتة، وهنا تتشكّل أحكامٌ جائرةٌ تخفي في باطنها شعوراً سلبيًا، لا يُفهمُ سببه، ولا يُعتَرفُ به، ولسبب لم أستطع فهمه، يبدأ هؤلاء بالرّمي والقذف وسوء التفسير حتى أكاد أصدق نفسي، انّه ربما شرعت يداي بهدم المباني الكريمة، والأولى لهم ان يذكروا وما أدركوا وما جَنُوا.
لكن الحكمة ألّا نخفي نعمَ اللهِ تعالى خوفاً من حساسيات الآخرين، ولا أن نتعمّد إظهارها استِعلاءً. فالمرءُ الناضج يدرك أنّ قيمته لا تنقص بتفوق غيره، وأنّ السماء واسعة تتسع لجُمُوعِ النّجوم. فإذا أشرق نجم، لا يخفت آخر، بل يتكامل الضياء. ومَن تعلّم أن يفرح لنعم غيره، قد تأتيه نعمٌ من ربه تفوقها حجماً وقدراً، كما انّ ذلك يحرّر من أسر المقارنة، فيرتقي العبدُ إلى سعة القلب ونُبل الروح.

theme::common.loader_icon