وزير الثقافة السابق
في مشهد الشرق الأوسط المعقّد، يظل لبنان وإسرائيل مثالَين متناقضَين في كلّ شيء. لبنان، كان «أثينا الشرق» (وهذا التعبير هو للأب البروفيسور جورج حبيقة والمقصود به أثينا التاريخية)، رمزُ التعدُّدية الدينية والثقافية، وطنُ العيش الواحد والقدرات والكفاءات، تجربةٌ حضارية فريدة تُثبت أنَّ التنوّع ليس ضعفاً بل مصدر قوّة ووعي وازدهار. أمّا إسرائيل التوسعيّة الإلغائية فتُمثّل، بالمقابل، النموذج النقيض: دينٌ واحد، عرقٌ واحد، لغةٌ واحدة، وسعيٌ دائمٌ إلى القتل والتشريد وبَث الفرقة والاحتلال والهيمنة.
وممّا لا نقاش فيه، أنّ لبنان، بتعدُّديّته، يشكّل تهديداً راسخاً في عمق الفكر الصهيوني الأحادي. "مئير كاهانا"، مؤسس حركة "كاخ"، والمُلهِم للحكومة اليمينية الحالية، كان صريحاً وواضحاً في التعبير عن منطق المشروع الصهيوني في أوضح تجلّياته، عندما أضاف سبباً آخر، فضلاً عن الأطماع "التوراتية"، يجعل إسرائيل تُمعِن في استهداف لبنان. هو، وأمثاله من "المفكّرين" المنظّرين للكيان، يرَون، عن حقّ، أنّ لبنان المتعدِّد المكوّنات، القائم على حدود الكيان الشمالية، يُمثّل خطراً كبيراً عليه، لأنّه يُثبت أنّ التعايش ممكن، وأنّ التنوّع قادرٌ على إنتاج دولة حيّة، وينسف من ثمّ أخلاقياً وإنسانياً وسياسياً الأساس التي قامت عليه اسرائيل بمشروعها الأحادي الإلغائي التشريدي والإبادي. لم يُخفِ "كاهانا" قناعته - التي هي قناعة كل صهيوني - بوجوب إزالة لبنان المتعارض مع دولتهم الأحادية، ولهذا أفصح قاطعاً جازماً بعبارته الشهيرة أنّه "لا رسوخ لإسرائيل قبل القضاء على الصيغة اللبنانية". ومن هذا المنطلق يمكن فهم السياسات التي مارستها إسرائيل على مرّ العقود، حتى في المرحلة السابقة لنشوء المقاومات المسلّحة ضدّها، عندما سعت، وما برحت، إلى تقسيم لبنان، وتغذية الإنقسامات فيه، والتحريض بين مكوّناته، سعياً للقضاء على صيغته.
ولبنان من ناحية ثانية، ليس مجرّد ساحة سياسية، بل ميدانٌ يحمل قوّةً حقيقية في مقدّراته. موقعه الاستراتيجي يربط الشرق بالغرب ويجعله مِنصّة للتأثير الإقليمي، وثرواته الطبيعية والاقتصادية تمنحه القدرة على النهوض والاستقلال. أمّا كفاءات أبنائه، فجعلت منه مركز إشعاع ثقافي وعلمي وفني تجاوز حجمه الجغرافي بكثير. لقد استطاع اللبنانيّون، في الوطن والانتشار، أن يثبتوا أنّ بلداً صغيراً يمكن أن يكون كبيراً بعقوله وخبراته ودوره الحضاري، الأمر الذي يجعله منافساً فعلياً في الأدوار التي تطمح إسرائيل إلى احتكارها في المنطقة. وهكذا يصبح استهداف لبنان من قِبل إسرائيل استهدافاً مزدوجاً: لأنّه يُهدِّد مشروعها الأحادي ويفضحه ويسقطه فكرياً وأخلاقياً، ولأنّه يمتلك عناصر قوة حقيقية تجعل حضوره الإقليمي أمراً لا يمكن تجاوزه.
ولم يقتصر الاستهداف على الصراع المباشر، بل شمل تحريض المكوّنات اللبنانية بعضها على بعض وتعميق الشروخ الداخلية وتشجيع مشاريع التقسيم والتفتيت. وكانت حرب الجبل مثالاً صارخاً على الدور الإسرائيلي المُنصَب على استغلال التوترات الداخلية وتأجيجها وتحويلها إلى صراعات دامية تُضعِف صيغة العيش الواحد. كما يحضرني على الدوام، ذلك الخلاف بين بشير الجميّل ومناحيم بيغين سنة 1982، وهو خلافٌ لم يكن سببه فقط رفض بشير التوقيع على اتفاقٍ مع اسرائيل من دون توافق لبناني داخلي فحسب، بل أيضاً تمسّكٌ منه برؤية تقوم على إعادة بناء لبنان موحّداً، لبنان العشرة آلاف وأربعمئة واثنَين وخمسين كيلومتراً مربّعاً، وهو لبنان العيش الواحد الذي لا مصلحة لإسرائيل في قيامه لأنّه يتناقض جذرياً مع مشروعها الذي يقوم على تفتيت لبنان والمنطقة إلى كيانات ضعيفة ومتنازعة تمهيداً لإجتياحها وتحقيق حُلم إسرائيل الكبرى. لقد كان لبنان القوي الموحّد نقيضاً لإسرائيل، في المعنى وفي الدور أيضاً، لذلك دأبت على إضعافه، ولذلك بدا التناقض بين رؤيتَي بشير وبيغن عميقاً، جعل البعض يقول إنّ هذا التناقض المستجدّ أدّى إلى أن يعقِد الإسرائيليون العزم على إزاحة بشير من المشهد السياسي، بالإغتيال أو بتسهيله، لا سيما وأنّه كان قد تحقّق لهم حينها القضاء على منظّمة التحرير الفلسطينية واحتلال جزء كبير من الأراضي اللبنانية بما فيها الجنوب.
في مقابل هذه الرؤية الصهيونية المريضة الأحادية الإلغائية.... - المؤيَّدة مؤخّراً بمواقف هاكابي - دأبت شهادة الباباوات على التأكيد على لبنان نموذجاً عالمياً للتعايش. فقد قال البابا يوحنا بولس الثاني إنّ لبنان "أكثر من وطن، إنّه رسالة"، مؤكّداً أنَّ تعدُّديّته الدينية والثقافية نورٌ حضاري للعالم. وشدّد البابا بينيديكتوس السادس عشر على أنّ الحفاظ على صيغة لبنان هو حفاظ على معنى الحوار بين الحضارات والأديان. وأعاد التأكيد على ذلك البابا فرنسيس، عندما اعتبر لبنان نموذجاً عالمياً للعيش المشترك ودعا إلى حمايته باعتباره رمزاً للسلام والوحدة في التنوّع. كما أكّد عليه مؤخّراً البابا لاوون الرابع عشر، عندما اعتبر في زيارته إلى لبنان، أنّ هذا الوطن ليس مجرّد بلد يواجه الأزمات، بل مساحة إنسانية فريدة يلتقي فيها صوت الكنائس بنداء المآذن، وهذه الصورة التي رسمتها كلمات هذا البابا، وأسلافه المذكورون، تجعلنا أمام لوحةٍ إنسانيةٍ بَهيّة، تتناقض بقوّة مع كل ما يحاول الصهاينة رسمه في الأذهان وعلى أرض الواقع، ويفضح إلى أبعد الحدود مشروعهم غير الحضاري الذي يتعارض مع كلّ القيم الإنسانية والمواثيق الدوليّة، كما تتجلّى بفعلها تلك المفارقة الأخلاقية الكبرى: فبينما يرى الفكر الصهيوني الأحادي، أنَّ لبنان يُمثّل خطراً يجب إضعافه أو تفكيكه، ترى الإنسانية أنَّ وطننا يُمثّل نموذجاً ينبغي الحفاظ عليه. وجود لبنان القوي بمعناه الأخلاقي والثقافي يجعله هدفاً للصهاينة، لكنّه في الوقت نفسه يجعله رسالة، لأنّه يُثبِت أنّ التنوعّ يمكن أن يكون أساساً للوحدة، وأنّ الاختلاف يمكن أن يتحوّل إلى مصدر غنى، وأنّ الوطن لا يُبنى على إلغاء الآخر بل على الإعتراف به.
ويبقى لبنان، مهما اشتدّت عليه المحن وتكاثرت عليه الأطماع، وطناً يتجاوز حجمه الجغرافي ليغدو معنى أخلاقياً وحضارياً في هذا الشرق المضطرب؛ وطناً لا تقوم قوّته على الغلبة بل على الشراكة، ولا على إلغاء المختلف بل على احتضانه. فإذا استعاد اللبنانيّون وحدتهم، وآمنوا جميعاً بأنّ لا عدوّ لهم إلّا مَن يسعى إلى تفتيتهم تمهيداً لإزالة وجودهم عن هذه الأرض، عاد لبنان شاهداً حياً على أنَّ التنوُّع يمكن أن يصنع وطناً، وأنَّ العيش الواحد يمكن أن ينتصر على كلِّ مشاريع التفتيت والهيمنة. وفي هذا تكمن رسالة لبنان وفرادته معاً: أنّه كلّما حاول المشروع الصهيوني الأحادي إسقاطه، نهض من جديد، واستمرّ في تعرية ذلك المشروع أخلاقياً، وأثبت أنّ الوطن الذي يتسع لجميع أبنائه أبقى من كل مشروع يقوم على الإلغاء. لبنان سيظلّ وطن التنوّع الوهّاج الذي لا ينطفئ، وسيبقى أهله أمناء على صيغته، وسيُسقطون معاً مرامي عدوّهم وعدوّ الإنسانية... وسيبقى وإسرائيل، في المعنى والمصير، نقيضين لا يلتقيان.