ماذا لو أصبحت إيران ضمن المدار الاستراتيجي الأميركي؟
ماذا لو أصبحت إيران ضمن المدار الاستراتيجي الأميركي؟
طهران - حكم امهز
Saturday, 28-Feb-2026 07:14

تصوّر سيناريو افتراضي تتحكّم فيه واشنطن بإيران، الدولة التي تقع في قلب الجغرافيا الاستراتيجية، تمتلك ثروات طبيعية هائلة، وتشرف على مضيق هرمز الحيوي، يمرّ عبره أكثر من 20% من نفط العالم. من المؤكّد أنّ السيطرة على هذه الدولة ستُعيد رسم موازين القوى على المستوى الإقليمي والدولي وتغيّر نظام العالم.

إيران ليست مجرّد دولة في الشرق الأوسط، بل عقدة جغرافية حيوية تربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط، وتجاور روسيا والصين وأفغانستان والعراق. موقعها وإشرافها على الخليج وشمال المحيط الهندي يجعلها شرياناً حيوياً للطاقة والاتصالات، خصوصاً عبر مضيق هرمز. ما يمثل نقطة «ضعف» استراتيجية لكل الاقتصاد العالمي.

 

تمتلك إيران نحو 10% من احتياطي النفط العالمي، وتحتل المرتبة الثانية عالمياً في الغاز بعد روسيا. بالإضافة إلى ذلك، تحتوي على ثروات معدنية هائلة مثل النحاس، الحديد، الزنك، الرصاص، ومواد مهمّة لصناعة الرقائق الإلكترونية والعناصر الأرضية النادرة. هذه الثروات تجعلها هدفاً لا يمكن للولايات المتحدة تجاهله.

 

إذا سيطرت واشنطن على إيران بشكل مباشر أو غير مباشر، ستتحكّم في غالبية النفط العالمي، ممّا يمنحها قدرة كبيرة على ممارسة الضغوط الاقتصادية، خصوصاً على الصين عدوّتها القطبية اللدود، التي تعتمد على واردات النفط لدفع عجلة مصانعها العالمية. وبما أنّ النفط شريان حياة الصين اقتصادياً وصناعياً، فإنّ تحكّم الولايات المتحدة الأميركية بمعظم نفط العالم من فنزويلا إلى الدول العربية إلى إيران، سيضع الصين أمام خيارات صعبة:

 

- خوض حرب عسكرية مع الولايات المتحدة لتوفير النفط، وهو احتمال مستبعد جداً.

- قبول الشروط الأميركية للحصول على النفط، ما يعني خضوع الصين للضغوط الأميركية وإعطاب قطبيّتها الاقتصادية بمقدار كبير جداً.

- البحث عن مصادر بديلة للنفط من دول أخرى، لا يضمن أن تكون هذه الدول بعيدة عن العقوبات الأميركية.

- الإعتماد على الطاقة البديلة، هي عملية طويلة الأمد ولن تكون حلاً سريعاً للصين.

الهيمنة على جغرافيا إيران تعني تهديد مشروع «الحزام والطريق» الصيني، إذ تعدّ الجغرافيا الإيرانية عقدة اتصالات رئيسية لهذا المشروع. كما أنّ السيطرة على مضيق هرمز تمنح واشنطن القدرة على التحكّم بأكبر ممرّات الطاقة في العالم.

 

بالنسبة إلى روسيا، وهي القطب المنافس الآخر للولايات المتحدة، فإنّ وجود واشنطن في إيران يهدّد ممرّات صادراتها نحو شمال المحيط الهندي، عبر ممر شمال - جنوب الضخم، ويضع صادراتها المارة عبر الدول الأوروبية نحو الأطلسي، تحت ضغط العقوبات الغربية وتهديداتها، ما يقلّل من قدرتها على المناورة الاقتصادية ويضعف موقعها الاستراتيجي.

بهذا، ستتمكن الولايات المتحدة من إضعاف القطبَين المنافسَين الاقتصاديَّين الصيني والروسي، من دون إطلاق طلقة واحدة، وتحقيق نفوذ تدريجي في النظام العالمي يُقصي دوري بكين وموسكو، تمهيداً لنظام عالمي أحادي تقوده الولايات المتحدة.

 

إضعاف الصين وروسيا يُعيد تشكيل النظام العالمي الجديد لمصلحة واشنطن، التي تسعى من خلال هيمنة اقتصادية واستراتيجية إلى تكريس نفوذها العالمي واستعادة أحاديتها القطبية. فتُحكِم سيطرتها على العالم عبر ما يُعرَف بـ «مجلس السلام»، الذي يُنظَر إليه كبديل محتمل للأمم المتحدة ومجلس الأمن، ويمكّن البيت الأبيض من فرض إرادته عالمياً.

 

على مستوى المنطقة، إذا ما سقطت إيران بيَد واشنطن، ستتمكن الأخيرة من تنفيذ مشروع «الشرق الأوسط الجديد» تحت إشرافها المباشر، مع الكيان الإسرائيلي، كأداة رئيسية لإدارة الموارد وتوزيع الاقتصاديات الإقليمية، بما يشمل مشروع «إسرائيل الكبرى» من «الفرات إلى النيل»، أي تغيير الخريطة الجغرافية للمنطقة بضمّ دول وأجزاء دول من المنطقة إلى «دولة إسرائيل الكبرى».

 

من هذا المنظور، تُعدّ إيران الجبهة الأولى لمواجهة هذا المشروع والمعرقل له، والحصن الأخير الذي يحمي ما تبقّى من نظام حالي قائم. وستجد الدول الكبرى مثل الصين وروسيا والدول الإقليمية نفسها مجبَرة على الاصطفاف خلف إيران، لحماية مصالحها واستراتيجية مواجهتها للنظام العالمي الأميركي الجديد. وإذا سقطت إيران، سقط حصن استراتيجي عالمي، ومعه انهيار محتمل لتوازن القوى بين الدول الصاعدة والقدرات الاقتصادية والسياسية الكبرى.

theme::common.loader_icon