الحمار يمرّ على الزطّامة مرّة... نحن لسنا حميراً، فهل سنمرّ مرّتَين؟
الحمار يمرّ على الزطّامة مرّة... نحن لسنا حميراً، فهل سنمرّ مرّتَين؟
فادي عبود
Friday, 27-Feb-2026 07:23

أيّها المواطن اللبناني، إذا كنتَ تتساءل لماذا ما زلتَ غارقاً في العوَز والتعتير، فالجواب المؤلم يبدأ من لحظة واحدة: لحظة تقف فيها خلف العازل الانتخابي. هناك، تُقرّر مصيرك. هناك، إمّا أن تُحاسب مَن سرقك، أو أن تمنحه شرعية جديدة ليكمل ما بدأه.

لقد عشتَ الانهيار بكل تفاصيله: وديعة سُرقت، طبابة أصبحت حلماً، تعليم غائب، ومستقبل أولادك معلّقاً على قرارات لم تشارك في صنعها. ومع ذلك، لا تزال المنظومة نفسها تراهن على شيء واحد: أن تنسى، أو أن تستسلم، أو أن تكرّر الخيار نفسه.

الصمت ليس حياداً. الصمت شراكة غير معلنة في الجريمة. وكل صوت انتخابي يُمنح لمن غطّى الفساد أو سكت عنه هو رسالة واضحة بأنّ ما حدث سيتكرّر.

 

لكنّ المسؤولية لا تقع فقط على مَن حَكَم، بل أيضاً على مَن يَطلب أن يُحكَم. لذلك، عندما يأتيك أي مرشح طالباً صوتك، لا تسأله عن وعود عامة، بل عن التزام واضح ومحدَّد:

اسأله أولاً: ما هو موقفك من قانون الشفافية المطلقة والبيانات المفتوحة؟ هل تتعهّد بإقراره، فتصبح كل حسابات الدولة، وكل إنفاقها، وكل قراراتها متاحة علناً أمام المواطنين؟ لأنّ الشفافية ليست تفصيلاً تقنياً، بل هي خط الدفاع الأول عن أموالك وحقوقك. مَن يرفض الشفافية، يطلب منك أن تثق به من دون أن يسمح لك بمراقبته.

 

واسأله ثانياً عن جريمة العصر: جريمة الودائع وتعويضات الناس. اسأله بوضوح: أين تقف؟ وما هي قناعاتك الحقيقية؟ هل تعتبر أنّ ما حصل جريمة مالية موصوفة يجب كشف كل تفاصيلها ومحاسبة المسؤولين عنها، أم مجرّد أزمة تُطوى بتسويات على حساب الناس؟ هل تتعهّد بالعمل على كشف الحقيقة كاملة، عبر فتح حسابات المصارف والتدقيق في حسابات كل مصرف على حدة ومقارنتها بحسابات مصرف لبنان؟

 

وهل تؤمن بأنّ إعادة الودائع هي حق كامل للمودعين، أم أنّك تعتبر أنّها تبخّرت ويجب شطبها أو تحميلها للناس بطرق مختلفة؟ وهل ستقف إلى جانب حماية حقوق المودعين، أم إلى جانب حماية المصارف والمنظومة التي تسبَّبت بهذه الكارثة؟

 

واسأله أيضاً عن مصير تعويضات الموظفين والعاملين والصناديق الاجتماعية وصناديق التعويضات، التي هي في جوهرها شكل آخر من أشكال الودائع التي سُرقت. هذه الأموال لم تكن امتيازات، بل كانت مدّخرات عمر وشبكة الأمان الوحيدة للناس، وقد فقدت قيمتها نتيجة السياسات نفسها التي أطاحت بودائع المودعين. مَن سيتحمّل مسؤولية هذا الظلم، وما هي الخطة الفعلية لإعادة تكوين هذه الأموال وضمان حقوق أصحابها، لا بالوعود ولا باللجان؟

 

لأنّ الحقيقة واحدة: مَن لا يملك موقفاً واضحاً من الودائع، بكل أشكالها، سواء كانت في حساب مصرفي أو في صندوق تعويض أو صندوق اجتماعي، لا يمكن أن يكون مؤتمناً على مستقبل الناس ولا على مستقبل البلد.

واسأله رابعاً أيضاً: ما هي القوانين التي سيقترحها لتشجيع الاستثمار وإعادة بناء الاقتصاد المنتج؟ هل سيعمل على إلغاء القوانين التي طردت المستثمرين وأقفلت المؤسسات ودفعت الشباب إلى الهجرة؟ لأنّ الاقتصاد لا يُبنى بالشعارات، بل ببيئة قانونية تشجّع الإنتاج وتحمي المبادرة وتخلق فرص انتاج.

 

واسأله خامساً عن موقفه من الإجراءات الإدارية المعقّدة التي تخنق الاقتصاد. اليوم، تأسيس شركة في لبنان يتطلّب موافقات متعدّدة من إدارات مختلفة، ويصطدم ببيروقراطية مرهقة، وبغياب الشفافية في منح التراخيص، وبانعدام نظام رقمي موحّد يسمح بمتابعة الطلبات بوضوح. هذا الواقع لا يؤخّر المشاريع فقط، بل يدفع الكثيرين إلى العمل في الاقتصاد غير الرسمي أو إلى نقل أعمالهم إلى الخارج.

 

اسأله: هل ستلتزم بإقرار نظام رقمي موحّد لكل المعاملات؟ هل ستعمل على تبسيط الإجراءات؟ هل ستنهي البيروقراطية التي تحوّلت إلى أداة تعطيل بدل أن تكون وسيلة خدمة؟

وإذا رأيت أنّ استيعابه لن يكفي كل هذه النقاط، فاكتفِ بالمطلبَين الأولَين، ولا تتساهل بهما عند اتخاذ قرارك بمنحه صوتك، لأنّ وضوح موقفه منهما وحده يكفي لتعرف في أي صف يقف. وإلّا، لا تسأل لاحقاً لماذا يستمر التعتير.

theme::common.loader_icon