لبنان وتحدّي الأمن الوطني
لبنان وتحدّي الأمن الوطني
د. بلال اللقيس
Thursday, 26-Feb-2026 07:13

أي رؤية لأمن وطني للبنان تفترض الأخذ بمنهج علمي واقعي، يأخذ بالثابت ويربط بالمستقبل، كون الإنسان يعيش في المستقبل. والعلمية تفترض الشمول والمواكبة. فنظرية الأمن صارت مركّبة جداً ومتداخلة الأبعاد والدوائر والمجالات، أمّا الواقعية فتُحتّم التدقيق في مرحلة تحولية انتقالية يمرّ فيها عالمنا.

مقتضى ذلك، أن تُلحَظ بُنية لبنان الداخلية وخصائصها وما يمكن اعتباره من عوامل قوّته أو ضعفه، كما تُلحظ التهديدات المحيطة وطبيعتها وتصنيفها بحسب المخاطر والإلحاح، وأن نأخذ بالاعتبار المستقبليات أي تحوّلات العالم واتجاهاته المستقبلية، لا سيما تلك شبه المؤكّدة. وليس آخراً يجب على المنهج أن يضع تصوّراً لكيفية السَير في هذه المرحلة الخطرة والوجودية التي يعيشها اليوم لبنان، وكيفية إخراجها بما يقلّل الخسائر إن لم نقل بما يعزّز الفرص أو ينتجها.

 

أولى الافتراضات لرؤية أمن وطني، أنّه لا يُبنى بلد أو كيان سياسي على أساس أنّه وعاء فارغ يملؤه الخارج، كما لا يُبنى بلد ليس له خصوصية ومعنى مميِّز، ولا يمكن أن يُبنى بلد إذا لم تتوافر عقلية الجمع والمشترك فيه وأحياناً التنقيب عنها، ولا يُبنى بلد إذا لم يجهد لإنتاج سلطة معيار ويُعرَف الخير العام ويُثقَّف عليه، ولا يُبنى بلد وبعض بنيه غير مقتنع أنّه يمكننا أن نصبح دولة (لتبرير الفشل).

 

إنّ لبنان نموذج خاص لا يمكن ولا يصح أن نُسقِط عليه أي نموذج آخر، كما يستحيل أن نقارب أمنه الاستراتيجي، إلّا إذا أوضحنا معنى ومحدِّدات دولته. فمفهوم الدولة يجب أن يسبق معرفياً مفهوم الأمن. فأمنه من أمن "الدولة" و"الرسالة" على السواء. وهذا يتطلّب تحديد مقاصدنا لمعنى الدولة المقصودة والرسالة.

 

ولا يمكن أن نبني لبنان على نظرية العقد الاجتماعي الغربي (فالأخير هو تحيُّز إيديولوجي بامتياز). ولبنان لا يمكن أن يقوم إلّا إذا اعترفنا بإسهامات الكل فيه بالتوازي والتساوي (فالبعض أسهم أكثر في التأسيس والبعض الآخر أسهم أكثر في بقائه واستمراره). ولا يقوم بالواقع اللبناني بالنظر إليه "دولة شركة" بل "دولة معنى"، فالشركة لا تُلبّي الشعور بالإنتماء والهوية والروح بل تقتصر على المصلحة، ولبنان محتاج أكثر من أي وقت مضى لاكتشاف أو إنتاج الروح الجامعة قبل بحث النظام وتوزيع السلطة.

 

ولبنان الذي يتميّز بمجتمع قوي وحيوي يفيض عن قدرة نظامه على مجاراته، يحتاج نظامه أن يجاري مجتمعه لا العكس، إذ يسعى نظامه لتقييده بقيود الخارج.

 

كل ذلك وغيره يُحتّم على اللبنانيِّين أن يعمّقوا نظرتهم لذاتهم بعيداً من السطحية. كيف إذا أضفنا طبيعة تحدّياته الخارجية الخطيرة، إذ يقع في منطقة رملية كالكثبان تعاني من ضغوط متناقضة، وعلى حدوده الجنوبية عدو محتل ومطلق الدعم من الغرب وأميركا يلتهم كل ما حوله كالنار، وهو جزء من فضاء عربي تفتقد دوله لتصوّرات نهائية لكياناتها وأدوارها في ظل تغييب لرأي شعوبهم، لذلك دوماً يعيش الحذر من تحوّلاتهم وتأرجحاتهم وتناحرهم المستمر (هناك إيجابية اليوم أنّهم جميعاً اكتشفوا خطورة إسرائيل عليهم جميعاً).

 

ولا يمكن أن ننظر على لبنان أنّه أشبه باتحاد بلديات كبير بل هو دولة، ولا تتحقق الدولة من دون السياسة، ومختبر السياسة يكمن في توزيع السلع العامة، وفي مقدّمها الأمن ومصير المجتمع، وحدّ السياسة الأبرز يكمن في تحديد الفارق الدقيق بين الذات والعدو وقدرة المواجهة، إذا تجاوز العدو المصالح الحيوية للمجتمع أو هدّدها، فضلاً عن هوية المجتمع وأصوله (أي قدرة اتخاذ قرار الحرب باعتبار أنّ الحرب امتداد للسياسة ولو بلغة أخرى)، فالسياسة هي القرار الأهم الذي يتعلق بمستقبل المجتمع ومصيره ومكانته ووحدته.

 

ولبنان ما عاد ممكناً له أن يرتكز إلى خارج كـ "المجتمع الدولي". فالأخير لم يعد موجوداً اليوم، هو يفتقر إلى التعريف. فالغرب الأميركي والأوروبي دخلا إجراءات التمايز والتحالف على "القطعة"، ناهيك أنّ الاتحاد الأوروبي نفسه دخل لحظة العجز، وتحاول بعض دوله استنقاذه وضخ الروح الديغولية فيه. ولبنان غير قادر اليوم أن يلجأ إلى مرجعية المؤسسات الدولية، لأنّها ماتت فعلياً، وكان لأميركا والغرب الدور الأول في ما وصلت إليه.

 

ولم يَعُد ممكناً للبنان أن يستمر في الاعتماد على الرهانات الخارجية، لأنّ الخارج نفسه يسير في غموض قد يطول، ولا توجد إرادة عالمية محدّدة غالبة يمكنه الرهان على انتصارها في ظل صراع الإرادات العالمي المستفحل.

لذلك، فإنّ المنطق يقول بضرورة أن يتوافق اللبنانيّون حول مصلحة لبنان والدور المتناسب معه ومع رسالته وخصائصه لا سيما اليوم.

 

لذلك نقول، إنّ أمن لبنان الوطني لا يصح أن يقوم على أصل وفرضية "الهروب" و"الإنزواء" بل على "الحضور" المؤثر بمعزل عن الكيفيات واستراتيجيات العمل (فهذا مبحث آخر يتعلق بالسياسات لا بالنظرية).

ولأنّ لبنان بلد غني جداً في مجتمعه. فإذا نجحت دولته في استجماع نقاط قوّته فربما يكون من الدول الأبرز عربياً، ونعترف أنّ أحد أصناف الغبن الشديد الذي يعانيها المواطنون اللبنانيّون، هو أنّ سلطتهم لا تعرفهم ولا تعّبر تعبيراً حقيقياً عن مجتمعهم، بل هي في غربة عنهم في كل الشؤون حتى الإقتصادية منها والإجتماعية وليس فقط السياسية.

 

لذلك، لا بأس أن نخوض في طرح قد يكون الأنسب للبنان ومستقبله، يمكن أن تُصاغ الدولة وترسخ دعائمها على أساسه وهو دولة "القانون والحقوق"، فتكون الحقوق هي المحرّك للسياسة والسلوك حيال كل القضايا الداخلية منها والخارجية. إنّ دولة القانون والحقوق هي الأشبه بلبنان وطبيعته، وهي المميِّز له عن سواه من الدول العربية وأنظمتها، ناهيك أنّ هذا الطرح يمكن أن يخلق للمجتمع وجهة واتجاهاً يتلاقى عليه. ولا يَصعُب على رواد الفكر أن يستقوا ثنائية "الحقوق والواجبات" من ثلاثية "الكرامة الحرّية والعدالة"، فهاتان الثنائية والثلاثية قد تشكّلان نموذجاً مرجعياً ينسجم مع خصائص المكوّنات والتنوّع، ويقيَنا تقلّبات الخارج وغموض مساراته، فضلاً عن أنّه تعبير ذاتي المنشأ لا مستورداً، يترك توجسات عند الأطراف أو ينظر له عنواناً للتغلّب، وبالآن ذاته يُخرجنا من السير إلى السراب والانتظار السلبي؟ فهل من إرادة وطنية لذلك، وهل من شجاعة، وماذا ننتظر وإلى متى؟

theme::common.loader_icon