في عالم الصحة والرفاه، أصبحت الميتوكوندريا نجمة المرحلة. يتحدّث مؤثرون وخبراء عن دورها في الحيوية وطول العمر، وتُروِّج مُكمِّلات غذائية عصرية مثل الإنزيم المساعد Q10 ويوروليثين A ومعزّزات +NAD على أنّها تدعم وظيفتها. حتى شخصيات سياسية وصحية ألمحت إلى إمكانية «رؤية» مشكلات الميتوكوندريا على ملامح الأشخاص. هذا الاهتمام المفاجئ يُدهِش العلماء الذين أمضوا حياتهم في دراستها، لكنّه يسعدهم أيضاً، لأنّ هذه العضيّات الصغيرة أصبحت في صلب النقاش الصحي.
الميتوكوندريا تُعرف تقليدياً بأنّها «محطات الطاقة» داخل الخلايا، إذ تُحوِّل الطعام إلى جزيء الطاقة الأساسي المعروف بـATP. لكنّ الأبحاث الحديثة تُظهر أنّها تؤدّي أدواراً أوسع بكثير: فهي تدعم جهاز المناعة، تُنتج جزيئات تنقل الرسائل بين الأعضاء، وتُسهم في تنظيف الخلية والحفاظ على توازنها. باختصار، صحّتها أساسية لصحة الجسم ككل.
مع التقدُّم في العمر، يتراجع عدد الميتوكوندريا وكفاءتها. وخلال إنتاج الطاقة، تولّد هذه العضيّات نواتج ثانوية سامة تُعرف بالجذور الحرّة التفاعلية (ROS)، يمكن أن تُلحق الضرر بها وبمكوّنات الخلية الأخرى. ومع الشيخوخة، تزداد هذه النواتج ويتعطّل نظام إعادة التدوير الخلوي المسؤول عن التخلّص من الأجزاء التالفة، فتتراكم الأضرار وقد تموت الخلايا.
يرى بعض الباحثين أنّ تدهور صحة الميتوكوندريا قد يسهم في أمراض مرتبطة بالشيخوخة مثل ألزهايمر والسرطان، معتبرين أنّها أول مَن يتأثر بالإجهاد الخلوي. بينما يرى آخرون أنّ خللها قد يكون نتيجة الشيخوخة لا سببها. السؤال المحوري في هذا المجال هو: هل تدهور الميتوكوندريا يقود الشيخوخة، أم أنّ الأنسجة المتقدِّمة في العمر تجعل الميتوكوندريا مريضة؟
على رغم من هذا الجدل، يتفق الخبراء على أنّ نمط الحياة يؤثر مباشرة في صحة الميتوكوندريا. فقد ثَبُتَ أنّ التمارين الرياضية تُحسّن وظائفها بشكل واضح. وأظهرت دراسات على عضلات الفخذ أنّ برامج تدريبية لـ8 أسابيع تزيد عدد الميتوكوندريا وتُحسن جودتها، خصوصاً عند الجمع بين تمارين التحمُّل والقوّة، لأنّ التمرين يُسبِّب إجهاداً خفيفاً يحفّز الجسم على إنتاج ميتوكوندريا جديدة أكثر كفاءة.
التغذية أيضاً عنصر حاسم، لأنّ الطعام يتحوّل إلى طاقة داخل هذه العضيّات. يُنصح بتناول مزيج متوازن من الكربوهيدرات الغنية بالألياف والدهون الصحية، مثل البقوليات والحبوب
الكاملة والأفوكادو والأسماك. كما تلعب فيتامينات B ومضادات الأكسدة دوراً مهمّاً، ليس عبر المُكمِّلات بالضرورة، بل من خلال نظام غذائي متوازن.
النوم الكافي (7-8 ساعات) ضروري كذلك، إذ تتمّ خلاله عمليات التنظيف الخلوية وإزالة الأجزاء المتضرّرة من الميتوكوندريا.
أمّا العلاجات «اللامعة» مثل مكمِّلات +NAD، الحمامات الجليدية، الساونا، والعلاج بالضوء الأحمر، فلا تزال أدلّتها محدودة، وغالباً ما تستند إلى تجارب على الحيوانات أو الخلايا. وحتى مكمِّلات مضادات الأكسدة لم تُظهر فوائد واضحة لدى البشر، بل أظهرت بعض الدراسات نتائج عكسية.
في النهاية، قد لا تكون الميتوكوندريا مفتاح الخلود، لكنّها تذكير مذهل بأنّ أعظم أسرار الصحة قد تكمن في أصغر مكوّناتنا. داخل كل خلية، تجري معركة دقيقة بين الطاقة والتلف والتجدُّد.