«في موقع الصفر بين الضدَّين (السارق والمسروق) لا يوجد للتاريخ مكان، فهو الحركة في سيرورة التغيير، تهدم لتُمهِّد للممكن أرض ضرورته». هذه العبارة مستوحاة من فكر المفكّر مهدي عامل (في سياق نقد الفكر اليومي)، وتشير إلى أنّ التغيير الحقيقي لا يحدث في حالة التردُّد أو الوقوف في المنتصف المميت (موقع الصفر) بين متناقضَين، بل عبر سيرورة حركية تغيُّرية تدمّر الواقع القديم لتخلق أسس الواقع الجديد الممكن. هي دعوة لرفض الحياد والعمل على التغيير.
موقع الصفر في هذه الحالة: يمثل حالة السكون، الحياد، أو العجز بين الضدَّين، حيث لا يوجد «تاريخ» أو فعل مؤثر. السيرورة الثورية: هي الحركة الفعلية والعملية للتغيير... تغيير الواقع.
الهدم والبناء: التدمير المقصود هنا، هو نقد وتفكيك البنى القديمة «لتهدم وتمهّد للممكن أرض ضرورته»، أي خلق ظروف موضوعية واقعية جديدة قابلة للتغيير الدائم والمستمر.
على سبيل المثال لا الحصر، في ظروفنا اللبنانية العصية على الهدم والتغيير: لا لم يعُد تمويل الفشل يا «حكومة الفشل» من جيوب الناس والسرقات الموصوفة تحت شعار «تصحيح الرواتب» مقبولاً في كل الأحوال... قرار مجلس الوزراء الأخير «جريمة اقتصادية» جديدة تُرتكب بحق الشعب اللبناني الساكت عن حقوقه وكأنّه منوَّم... استمرار سياسة «الهروب إلى الأمام» عبر مَدّ اليَد إلى جيوب المواطنين المنهكة لم يعد مقبولاً، ولم تعُد التفاصيل الكارثية وخدعة الأرقام، أو ما تحاول الحكومة تسويقه على أنّه «تمويل للرواتب»، مقبولةً، وهو في الحقيقة دوامة تضخمية قاتلة!
بنزين أغلى = كل شيء أغلى: زيادة 300 ألف ليرة على البنزين، لا تعني فقط ارتفاع كلفة «التنقل». البنزين هو عصب الاقتصاد؛ ارتفاعه يعني ارتفاع كلفة النقل العام، كلفة شحن البضائع، كلفة توصيل المياه، وكلفة تشغيل المولّدات والمصالح الصغيرة.
TVA: رفع الضريبة على القيمة المضافة إلى 12% هو ضربة مباشرة للفقراء والطبقة المتوسطة (ما تبقّى منها)، لأنّ هذه الضريبة تُفرض بالتساوي على (الملياردير وعلى العامل المياوم) عند شراء أي سلعة، هل هذا منطقي يا نواف بك سلام؟
بكل بساطة، حكومتك يا دولة الرئيس قامت بعملية «احتيال محاسبي»: أقرّت زيادات لموظفي القطاع العام (وهو حقهم)، ولكنّها قرّرت تمويلها من جيوبهم وجيوب بقية المواطنين.
الموظف الذي نالَ زيادة على راتبه، سيدفع أضعاف هذه الزيادة فرق أسعار في السوبرماركت، وفاتورة الموتورات، والمواصلات! المواطنون في القطاع الخاص، الذين لم تشملهم زيادات الرواتب، سيتلقّون الضربة الأقسى، إذ ستتآكل قدرتهم الشرائية فوراً من دون أي تعويض!
بدلاً من الاستسهال وضرب الفئات الأكثر هشاشة يا دولة الرئيس، كان الأجدر بالحكومة الذهاب إلى أوكار الهدر والمال المنهوب، وهنا تكمن المصادر الحقيقية للإيرادات:
الأملاك البحرية والنهرية: هناك تعدّيات بالآلاف على الشاطئ اللبناني تُقدَّر قيمتها بمليارات الدولارات. فرض غرامات حقيقية وتسوية هذه الملفات أو (استعادتها) كفيل بتأمين إيرادات ضخمة للخزينة من دون المسّ بجَيب المواطنين.
التهرُّب الضريبي والجمركي: قبل زيادة الـTVA، يجب ضبط المعابر الشرعية وغير الشرعية، حيث تضيع مئات ملايين الدولارات سنوياً بسبب التهريب والتهرُّب من الدفع.
الضريبة التصاعدية على الأرباح والثروات: بدلاً من الضرائب غير المباشرة (TVA)، يجب فرض ضرائب عادلة على الشركات الكبرى التي حققت أرباحاً خيالية خلال الأزمة، وعلى الثروات العقارية والمالية الكبيرة.
تقليص حجم القطاع العام: البدء فوراً بتطبيق خطة لترشيق وترشيد الإدارة العامة، وقف بدلات السفر الوهمية، والمصاريف التشغيلية غير الضرورية في الوزارات، وإلغاء المؤسسات والصناديق التي لا عمل لها سوى التنفُّع والتنفيع السياسي.
القرار مرفوض جملة وتفصيلاً. إنّ تمويل سلسلة الرتب والرواتب لا يجب أن يكون «قنبلة موقوتة» تفجّر ما تبقّى من استقرار اجتماعي. أوقفوا سياسة «الجباية» وابدأوا بسياسة «الإصلاح» يا حكومة الإنقاذ المفترض.
لفت انتباهي يوماً يا دولة الرئيس قصة فيلم قصير في صفحة (السينما الفلسفية) عنوانه «حكمة الديك»، أو (المثقف العضوي)! تدور القصة حول ديك شجاع كان يسعى إلى إيقاظ الناس من سباتهم العميق ممّا أوصله يوماً من الأيام إلى أن يفقد رأسه ذبحاً!
تقول القصة باختصار شديد: تسلّل الذئب (الطبقة السياسية المالية الفاسدة) إلى الحظيرة (البلد المستباح)، فصاح الديك محذّراً، نبح بعدها الكلب (الحارس الأمين) فانتبه الراعي (المسؤول النائم)، ففرّ الذئب ونجا ما تبقّى من القطيع (الشعب). اطمأنّ الراعي، استلقى الكلب واحتفل الأهل (الحلقة الضيّقة)، فذبحوا الديك.
ما أشبه هذه القصة الطريفة والمعبَّرة بما قاله المفكّر والأديب الروسي الكبير دوستويفسكي: «إنّ خيرَ ما يفعله الإنسان أحياناً هو الصّمت»، كي لا تتحوّل إلى ديك أو قربان!