ضربات استباقية إسرائيلية ضدّ صواريخ «الحزب»
ضربات استباقية إسرائيلية ضدّ صواريخ «الحزب»
جوني منيّر
Monday, 23-Feb-2026 06:54

يلقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطاب «حال الإتحاد» غداً الثلثاء. ومن المتعارف عليه، أنّ هذا الخطاب السنوي هو بمثابة محطة رئيسية للرئيس الأميركي. فهو يلقيه في مبنى الكابيتول، أمام جلسة مشتركة لمجلسي النواب والشيوخ، ويتحدث فيه بإسهاب عن حال الأمة، ويضع تصوراً للأولويات والتحدّيات الوطنية، أكانت داخلية أو خارجية. ومن المفترض أن يحتل الملف الإيراني حيزاً مهمّاً في هذا الخطاب. فعلى سبيل المثال، في خطاب «حال الأمة» عام 2003 حّدد الرئيس السابق جورج دبليو بوش مبرّرات غزو العراق. وخطاب هذا العام يترافق مع تحشيد عسكري هو الأكبر بحرياً منذ العام 2003.

دخلت حاملة الطائرات الأميركية «جيرالد فورد» وهي الأحدث والأكثر تطوراً على الإطلاق، منطقة الشرق الأوسط، وتوجّهت لتنضمّ إلى منطقة عمليات حاملة الطائرات الهجومية «أبراهام لينكولن»، والمعروف عنها بأنّها الأكثر فتكاً. ومن النادر وجود حاملتي طائرات ضخمتين من هذا النوع في الشرق الأوسط في آن معاً. وبذلك تشارف عملية الإنتشار العسكري الأميركي في المنطقة على الإنتهاء. وسبق ذلك تكرار ترامب لكلامه التحذيري، ولكن هذه المرّة من على منبر «مجلس السلام» الذي عقد أول جلسة له في العاصمة الأميركية واشنطن. فهو اعتبر أنّ فشل المفاوضات سيؤدي إلى أشياء سيئة «ستعرفون عنها على الأرجح في غضون الأيام العشرة المقبلة». وأهمية تحذير ترامب الجديد أنّه ليس أمام مناسبات داخلية أميركية، بل هو تلويح باستخدام القوة أمام تجمّع ديبلوماسي دولي في العاصمة الأميركية، ما يبدو وكأنّه يعطي كلمته للعالم. وهو ما يؤشر بطريقة أو بأخرى إلى إعطاء طابع الجدّية الكاملة لتهديده، مقروناً بمهلة زمنية محدّدة.

 

ووفق أوساط مراقبة، فإنّ إعلان ترامب عن مهلة محددة وقصيرة للتوصل إلى اتفاق بالتزامن مع أكبر عملية نقل وانتشار عسكري بحري أميركي في الشرق الأوسط منذ أكثر من عقدين، إنما يحمل دلالات جدّية إلى اقتراب مواجهة عسكرية واسعة قد تتجاوز آثارها وأبعادها حرب حزيران الماضي، وتتحول زلزالاً جيوسياسياً إقليمياً لا بل دولياً أيضاً. ويعتقد أصحاب هذا الرأي، أنّ حصول الضربة بات مسألة وقت وهو ليس بطويل، وأنّ المفاوضات تهدف لإتاحة الوقت بهدف إستكمال التحضيرات العسكرية اللازمة، والعمل على بناء مناخ سياسي يوفر شرعية داخلية للتحرك العسكري المتوقع. فالشروط التي تطرحها واشنطن صعبة جداً، والإدارة الأميركية تدرك ذلك، وهي تواكب طرح شروطها بخطابات تصعيدية، ما يعزز الإعتقاد بأنّ القرار مُتخذ، وأنّ المسار الديبلوماسي الراهن ليس سوى بهدف كسب الوقت وتوفير غطاء سياسي للإستعدادات العسكرية.

 

وليس سراً أنّ إسرائيل تدفع بقوة في هذا الإتجاه، وهي التي تعتبر أنّ أي اتفاق بين واشنطن وطهران سيكون سيئاً بالنسبة اليها. وهي تتصرف وفق أنّ الحرب واقعة لا محال، ومن منظار أنّ حشداً بهذه الضخامة ليس للضغط أو الردع بل للهجوم. وقد تعزز هذا الإنطباع مع الكلام الذي أطلقه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، من أنّ العملية العسكرية باتت أكثر من تهويل.

 

لكن الجانب الآخر من الصورة يدعو إلى شيء من الإستغراب. فالأصوات الصادرة من إيران تتعامل مع هذه التطورات العسكرية وكأنّها في سياق الحرب النفسية وليس التحرك الجدّي والفعلي. صحيح أنّه معروف عن الإيرانيين امتلاكهم أعصاباً فولاذية في فنون التفاوض، إلّا أنّ الوقائع تؤشر إلى ضربة عسكرية وشيكة، وهو ما يستوجب التعاطي من منظار أكثر واقعية، تماماً كما تصرفت قبل أسابيع معدودة، يوم ذهب وزير الخارجية عدنان عراقجي إلى تركيا طلباً لتوسيط تركيا للبدء بمفاوضات مع الأميركيين، على رغم من أنّ الحشد العسكري كان أقل بكثير. ما يعني أنّ «لبرودة» طهران تفسيرين لا ثالث لهما: إما أنّها تمتلك مفاجأة عسكرية ستصدم الأميركيين، أو أنّ ثمة تفاهمات خلفية قيد الحصول، وأنّ ترجمة هذه التفاهمات ووضعها قيد التنفيذ في حاجة إلى حماوة حربية مدروسة ومدوزنة، ما يحفظ ماء الوجه شكلاً، ويحقق تفاهمات في العمق ضمناً. ومن هنا يفسر البعض التسريبات الأميركية حول تأرجح خيارات ترامب بين ضربة واسعة أو محدودة.

 

في الأساس، فإنّ الضربات التي تتولاها حاملات الطائرات من دون مشاركة لقوات برية، تؤدي عادة إلى نتائج محدّدة ودقيقة. فحاملة الطائرات لا يمكنها خوض حرب شاملة بمفردها. أضف إلى ذلك، المزاج الداخلي الأميركي، والذي لا يبدو ميالاً لفتح حرب جديدة. فوفق الإستطلاعات، فإنّ غالبية الشعب الأميركي غير مهتمة بالحرب. وبالتالي فإنّ أي تصعيد حربي مع إيران في ظل انشغال الأميركيين بالمشكلات الإقتصادية، يعدّ خطوة متهورة للإدارة الأميركية، وفق الجناح الداعي إلى عدم الغرق في وحول الشرق الأوسط مجدداً. خصوصاً أنّ دعاة هذا التوجّه، من الجمهوريين الكبار الذين يقرّون بالمصاعب الإنتخابية التي يواجهها حزبهم في الإنتخابات النصفية في الخريف المقبل.

 

لكن إسرائيل التي تتصرّف وكأنّ الحرب حاصلة غداً، تعمل على الشروع في إجراءاتها وتحضيراتها

الحربية الواسعة. فبالنسبة اليها هي فرصة لتغيير «وجه المنطقة»، وقد لا تتكرّر أبداً. ونقل موقع «مونيتور» عن مصدر أمني إسرائيلي رفيع قوله، إن أي هجوم أميركي سيؤثر في المنطقة بأسرها وعلى نحو غير مسبوق منذ قرن. واعتبر أنّ زوال النظام الإيراني سيكون له أثر إستراتيجي على الشرق الأوسط بكامله وحتى على العالم. كما نقل موقع «أكسيوس» عن مصادر وصفها بالمطلعة، بأنّ إدارة ترامب باتت أقرب إلى خوض حرب كبرى في المنطقة ضدّ إيران، ومرجحة أن تبدأ قريباً جداً وتستمر لأسابيع.

وفي وقت تضع أوساط ديبلوماسية ما يجري ضخه عبر وسائل الإعلام في إطار «نشر الغبار» لحجب الرؤية والتلاعب بالخصم، فإنّ المؤسسات الأميركية تميل إلى الإعتقاد بحصول ضربة تؤدي الى إضعاف النظام، ما قد يسمح بإشعال إحتجاجات جديدة كالتي حصلت منذ أسابيع، وربما حالات تمرّد داخل التركيبة العسكرية. ولفت تجدّد التحركات الطالبية المعارضة في بعض جامعات طهران ومدن أخرى في ذكرى أربعين ضحايا الإحتجاجات الأخيرة، وحصول صدامات محدودة مع عناصر «الباسيج».

لكن الثابت أنّ اندفاعة ترامب إلى هذا المستوى العسكري، وضعته في موقع حرج ودقيق. فهو لم يعد في إمكانه التراجع من دون الحصول على ثمن كبير، خصوصاً أنّ أزماته الداخلية تزداد وتتوالى. ما يعني أنّه بات ملزماً بالسير إلى الأمام، إلاّ في حال حصوله على تنازلات إيرانية مهمّة. فبعد أكثر من عام على ممارسته الحكم بنحو شبه مطلق ومتفلّت من أي قيود، جاءت صفعة المحكمة العليا لتضاعف من حراجة موقعه الداخلي. والمؤشرات التي انطوى عليها القرار لا تقلّ أهمية عن القرار في حدّ ذاته. فالقرار صدر بغالبية ستة من أصل تسعة أعضاء، علماً أنّ ثلثي أعضاء المحكمة من المحافظين، أي من التوجّه السياسي الذي يتزعمه ترامب، كما أنّ ترامب كان عيّن ثلاثة منهم خلال ولايته الأولى.

 

وعلى الجانب الإسرائيلي، تتصاعد الترتيبات والإستعدادات العسكرية والتي تحاكي حالة حرب قريبة. وجاءت الغارات الإسرائيلية الأخيرة على لبنان وتحديداً على البقاع، لتحاكي سيناريو استباقياً للحرب، أكثر منه ضمن السياق الإستهدافي اليومي القائم أو الأهداف الأمنية الكلاسيكية. ففيما كانت الطائرات الحربية تقوم بتدمير مداخل الأنفاق التي يشتبه في وجود صواريخ مهمّة بداخلها في جبل الريحان والسلسلة الشرقية لجهة البقاع الشمالي، كانت طائرات أخرى تقوم بتنفيذ عملية إغتيال لكوادر قيادية وأخرى متخصصة في سلاح الصواريخ. وهو ما يعني أنّ الإستهداف الجوي الإسرائيلي يعمل على إضعاف إمكانيات الردّ الصاروخي إنطلاقاً من الأراضي اللبنانية. صحيح أنّ رئيس المجلس النيابي نبيه بري أبلغ إلى الأوساط الديبلوماسية الأميركية بأنّ «حزب الله» لن ينخرط في أي ردّ صاروخي إنطلاقاً من لبنان في حال تطورت الأوضاع مع إيران، إلّا أنّ إسرائيل تريد إستغلال الظرف للقضاء على القدرات الصاروخية لـ«حزب الله»، في ظل إقناع واشنطن بأنّ ما تقوم به هو بمثابة خطوة إستباقية تمنع طهران من «إشعال المنطقة»، كما جاء في تهديدات المسؤولين الإيرانيين. وهو ما ينبئ أيضاً بأنّ الساحة اللبنانية ستشهد اشتعالاً موازياً للساحة الإيرانية في حال بدء الضربة العسكرية. في وقت بدت واشنطن مستاءة من التعاطي الحكومي اللبناني مع خطوة الإنتقال إلى المرحلة الثانية وفق برنامج زمني محدّد، والتي اعتبرتها غير جدّية. كما أنّه لم تحصل أي خطوة تنفيذية ولو صغيرة في هذا الإتجاه بعد صدور قرارات مجلس الوزراء.

 

في العام الماضي، بلغت موازنة وزارة الحرب الأميركية مستوى قياسياً مع مبلغ فاق الـ900 مليار دولار، وهي كانت الأضخم في التاريخ الأميركي. لكن الصدمة بدت أكبر مع توجّه إدارة ترامب لإحداث زيادة في الإنفاق العسكري في موازنة السنة المقبلة 2027 بقيمة 500 مليار دولار دفعة واحدة. وأعلن ترامب في منشور له على منصة «تروث سوشيال» دعمه لموازنة إجمالية بقيمة 1,5 تريليون دولار، «ما سيسمح ببناء جيش الحلم الذي نستحقه منذ زمن طويل، والأهم سيبقينا آمنين ومطمئنين بغض النظر عن العدو». وستُستخدم هذه الزيادة الضخمة للموازنة العسكرية لتحديث برنامج الأسلحة النووية، والإستثمار في تقنيات متقدمة كالذكاء الإصطناعي. ووفقاً لهذا المعيار فإنّ المواجهة الجاري إعدادها مع إيران ستكون محطة في مسار أطول، له علاقة بالنزاع التنافسي الدائر مع التمدّد الصيني على رقعة النفوذ العالمي. وهي بالضبط المهمّة التي يريدها ترامب من طهران.

theme::common.loader_icon