يدرس الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلزام الولايات المتحدة بحملة عسكرية أخرى ضدّ إيران، وهو قرار ينطوي على خطر إشعال صراع قد يثبت أنّه أطول أمداً، وأكثر فتكاً، وأشدّ خطورة بكثير من حرب الأيام الـ12 التي اندلعت في حزيران، عندما انضمّت الولايات المتحدة إلى حملة ضدّ إيران كانت إسرائيل قد بدأتْها، ومنح ترامب الجيش هدفاً محدّداً: قصف المنشآت النووية الإيرانية وإرجاع قدرة طهران على صنع سلاح نووي في يوم ما. وخلال أيام من الضربات الأميركية، اتفقت جميع الأطراف على وقف إطلاق النار. ولم تقع أي خسائر في صفوف الأميركيّين.
أمّا الآن، فإنّ البنتاغون في خضم أكبر حشد عسكري في الشرق الأوسط منذ عقدَين، ويدرس ترامب عملية أوسع بكثير، تقودها هذه المرّة القوات الأميركية، من دون أن يعلن علناً ما الذي يأمل في تحقيقه. فهل ستركّز الحملة مجدّداً على المواقع النووية الإيرانية؟ وهل ستكون هناك ضربات إضافية لتدمير ترسانة إيران من الصواريخ الباليستية، التي أكّدت إيران أنّها لن تتخلّى عنها عبر التفاوض؟
أم أنّ هدف ترامب قد يكون أمراً لطالما قال إنّه ضربٌ من الحماقة الخطرة: استخدام الجيش لإسقاط حكومة في الشرق الأوسط؟ إنّ حرباً لتغيير النظام قد تؤدّي إلى سقوط أعداد لا تُحصى من القتلى المدنيِّين في إيران، وإلى صراع أوسع في أنحاء المنطقة. وأعلن، في مستهل اجتماع مع حكّام الولايات في البيت الأبيض، أنّه يدرس توجيه ضربة عسكرية محدودة للضغط على إيران من أجل التوصّل إلى اتفاق.
ويرى بعض المسؤولين الأميركيِّين وخبراء الشرق الأوسط، أنّ الغموض المحيط بأهداف ترامب قد يكون خطيراً، إذ قد يدفع الحكومة الإيرانية إلى اعتبار هجوم تقوده الولايات المتحدة تهديداً وجودياً. ونتيجة لذلك، قد تصعّد إيران الصراع بطرق لم تفعلها خلال هجمات حزيران، أو بعد أن اغتال الجيش الأميركي الجنرال قاسم سليماني، قائد الحرس الثوري الإسلامي الإيراني، في عام 2020. ويشرح ولي نصر، الخبير في الشأن الإيراني في كلية الدراسات الدولية المتقدّمة بجامعة جونز هوبكنز، أنّ هناك خطراً يتمثل في أن تحسب إيران أنّ ردّها الخافت على العمليات العسكرية الأميركية السابقة لم يؤدِّ إلّا إلى استجلاب مزيد من التهديدات من الولايات المتحدة، «وأنّ عليها تصعيد كلفة الحرب على الولايات المتحدة».
وفي رسالة بعث بها الخميس إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أكّد رئيس بعثة إيران لدى الأمم المتحدة، أنّه إذا تعرّضت إيران لهجوم، فإنّ «جميع قواعد ومنشآت وأصول القوة المعادية في المنطقة ستشكّل أهدافاً مشروعة»، وأنّ «الولايات المتحدة ستتحمّل المسؤولية الكاملة والمباشرة عن أي عواقب غير متوقعة وغير خاضعة للسيطرة».
وقد يضع ذلك ما بين 30 ألفاً و40 ألف جندي أميركي متمركزين حالياً في 13 قاعدة عسكرية عبر الشرق الأوسط في موضع خطر خاص. ويسارع مسؤولو البنتاغون إلى نقل مزيد من بطاريات الدفاع الجوي إلى المنطقة لحماية القواعد. وفي حزيران، أطلقت إيران وابلاً من الصواريخ على القوات الأميركية في قاعدة «العديد» الجوية في قطر، غير أنّ مسؤولين إيرانيِّين حذّروا سراً مسؤولين أميركيِّين وقطريِّين مسبقاً. وقد يكون الأمر مختلفاً هذه المرّة، كما أقرّ مسؤول رفيع في البنتاغون، مضيفاً أنّ القوات الأميركية قد تكون عرضة لخطر أكبر بكثير إذا كانت الولايات المتحدة - لا إسرائيل - هي مَن تبادر بهذه الجولة من الضربات.
وبطبيعة الحال، قد تتحمّل إسرائيل العبء الأكبر من أي ردّ إيراني. فخلال الصراع في حزيران، أطلقت إيران مئات الصواريخ بعيدة المدى على أهداف حكومية وعسكرية ومدنية في إسرائيل. وأكّد مسؤولون عسكريّون إسرائيليّون أنّهم نجحوا في اعتراض أكثر من 80% من الصواريخ، ومع ذلك تسبّب القصف في أضرار واسعة وأودى بحياة العشرات من المدنيِّين الإسرائيليِّين.
وتواجه إيران حسابات محفوفة بالمخاطر من جانبها إذا فكّرت في ردّ واسع النطاق ضدّ القوات الأميركية أو المدن الإسرائيلية، وهو أمر سيكون «مقامرة هائلة لنظامٍ هدفه الأسمى البقاء»، بحسب كريم سجادبور، الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. وقد يدفع ذلك ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى التصعيد إلى ما هو أبعد ممّا كان مخططاً له في الأصل، فيصبح الهدف النهائي للحرب إسقاط الحكومة الإيرانية.
ويُعدّ الحشد الهائل من السفن والطائرات المقاتلة والقاذفات والطائرات المسيّرة وطائرات الاستطلاع ووحدات الدفاع الجوي الأميركية المتّجهة إلى الشرق الأوسط، الدليل الأكثر وضوحاً على أنّ البنتاغون يرى احتمال استمرار الحرب إلى ما بعد 12 يوماً.
لكن حتى مع التخطيط المتقدّم، رأت طومسون أنّ البنتاغون يدرك دائماً أنّ لديه مخزوناً محدوداً من صواريخ الاعتراض لحماية قواعده أو المدن الإسرائيلية، وأنّ صراعاً مطوّلاً قد يفرض قرارات صعبة «ويُعدّ مصدر قلق كبير».
وأوضح مسؤول عسكري أميركي ثانٍ، أنّ القيادة المركزية الأميركية تُبقي حاملتَي طائرات منتشرتَين في الشرق الأوسط على مسافة كبيرة من إيران، لحمايتهما من أن تصبحا هدفاً. وأشار مسؤولون أيضاً إلى أنّ إصابة حاملة طائرات تسير بسرعة بصاروخ باليستي أمر صعب. وبالإضافة إلى ذلك، ترافق الحاملتَين مدمِّرات لديها القدرة على إسقاط الصواريخ الباليستية. وكشف مسؤولو البنتاغون عن إجلاء مئات الجنود من قاعدة «العديد» في قطر، كما جرت عمليات إجلاء في مجمّع القواعد الأميركية في البحرين. وهناك أيضاً قوات أميركية في قواعد بالعراق، سوريا، الكويت، السعودية، الأردن، والإمارات.
وعلنياً على الأقل، يصرّ مسؤولو إدارة ترامب على أنّهم ما زالوا ملتزمين باستكشاف ما إذا كان هناك مخرج ديبلوماسي للمواجهة، قد يفضي إلى موافقة إيران على قيود جديدة على برنامجها النووي. لكنّهم يقولون في السرّ، إنّه من الصعب تصوّر ما قد تعرضه إيران في المدى القريب، لإقناع ترامب بالعدول عن المضي في حملة عسكرية أخرى.