في كل مرّة يطالب فيها المواطن اللبناني بأبسط حقوقه الوجودية، أي الأمن والحماية، يُواجَه بعبارة جاهزة تتكرّر كأنّها حقيقة نهائية غير قابلة للنقاش: «حصرية السلاح بيد الدولة». تُقال العبارة بنبرة سيادية عالية، لكنها تُرفَع في واقع يفتقر إلى السيادة الفعلية، وتُستخدم في مواجهة الخوف لا لمعالجته، بل غالباً كبديل عن تحمّل المسؤولية السياسية والأمنية. والمفارقة الأشدّ فداحة أنّ هذا الشعار يُطرح في بلدٍ تعجز فيه الدولة عن حماية مواطنيها، بل وأحياناً عن حماية مؤسساتها وحدودها.
من حيث المبدأ النظري، لا تُعدّ حصرية السلاح فكرة معيبة أو رجعية. فهي من ركائز الدولة الحديثة في صيغتها الكلاسيكية، كما تبلورت في التراث السياسي الأوروبي منذ القرن السابع عشر. فقد رأى توماس هوبز أنّ احتكار العنف من قِبل سلطة مركزية قوية هو الشرط الضروري للخروج من «حالة الطبيعة»، حيث يسود الخوف وتُستباح الحياة. وفي السياق ذاته، صاغ ماكس فيبر تعريفه الشهير للدولة بوصفها الكيان الذي يحتكر «العنف المشروع» داخل إقليم محدّد. في هذا الإطار، يصبح نزع السلاح من المجتمع ثمناً مشروعاً تدفعه الجماعة مقابل الأمن والنظام وضمان البقاء.
غير أنّ هذا التصور لم يكن يوماً مطلقاً أو منفصلاً عن شرطه الجوهري: قيام دولة قادرة فعلاً على الحماية وذات شرعية مكتملة. فاحتكار العنف في التراث الكلاسيكي ليس امتيازاً مجانياً، بل عقد ضمني تتنازل بموجبه الجماعة عن أدوات القوة مقابل التزام الدولة بحمايتها من الداخل والخارج. وحين ينهار هذا العقد، أو يُفرَّغ من مضمونه، يفقد الاحتكار معناه، ويتحوّل من أساس لبناء الدولة إلى أداة قهر أو خطاب سيادي فارغ.
في هذا المجال تحديداً، يبدأ الإشكال اللبناني. فالدولة التي تطالب اليوم بحصرية السلاح هي ذاتها التي تعجز عن ضبط حدودها، وتفشل في منع الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة، ولا تستطيع تأمين الحدّ الأدنى من الأمن الاجتماعي أو العدالة أو الكرامة الاقتصادية. إنّها دولة حاضرة بقوة الخطاب، وغائبة عند الخطر. وحين يُستحضَر شعار «حصرية السلاح» في هذا السياق، لا يُطرَح بوصفه نتيجة طبيعية لدولة ناجزة، بل كشرط يُفرَض على مجتمع متروك لمصيره.
لقد أعاد الفكر السياسي الحديث والمعاصر النظر جذرياً في التراث الهوبزي ـ الفيبري، خصوصاً بعد تجارب الدول الفاشلة، والاستعمار، والحروب الأهلية، وأنماط العنف غير الدولتي. فقد بيّن فلاسفة السياسة وعلماء الاجتماع السياسي، أنّ الدولة ليست قيمة في ذاتها، بل أداة وظيفتها الأساسية خدمة المجتمع. وحين تتحوّل الدولة إلى كيان عاجز عن الحماية، أو منفصل عن حاجات المجتمع، فإنّ أولوية الشرعية تنتقل من الدولة إلى المجتمع نفسه.
في هذا الإطار، شدّد جون لوك، على أنّ الحق في الحياة والأمن سابق على الدولة، وأنّ السلطة السياسية تفقد مشروعيتها إذا أخفقت في حماية مواطنيها. وأكّد جان جاك روسو أنّ السيادة الحقيقية لا تكمن في المؤسسات، بل في الإرادة العامة، وأنّ أي سلطة تنفصل عن المجتمع تتحوّل إلى اغتصاب سياسي. أما في الفكر النقدي المعاصر، فقد تمّ تفكيك فكرة «الدولة كضرورة تاريخية» بوصفها أسطورة أيديولوجية، ولا سيما في سياقات ما بعد الاستعمار، حيث فُرض نموذج الدولة الحديثة على مجتمعات لم تُبنَ مؤسساتها وفق حاجاتها الفعلية.
من هذا المنظور، يبدو الإصرار على حصرية السلاح في لبنان دفاعاً عن نموذجٍ نظري أُخرج من سياقه، أو عن حتمية تجاوزها علم السياسة الحديث. فلبنان لا يجوز أن يكون أسير فكرة قُدِّمت بوصفها شرطاً مطلقاً لتكوين الدولة، فيما هي في الواقع نتيجة لمسار تاريخي مشروط بالقدرة والعدالة والسيادة. وكما تقول النظريات السياسية – الاجتماعية الحديثة، فإنّ احتكار الدولة لوسائل العنف ليس نقطة البداية في بناء الدولة، بل نتيجتها الطبيعية عندما تثبت قدرتها على الحماية وتكسب ثقة مجتمعها.
إنّ الخطير في ترداد شعار «حصرية السلاح» في الحالة اللبنانية أنّه يُستخدم أحياناً كأداة سياسية انتقائية، لا كمشروع دولة. يُستحضَر عند الضغوط الخارجية، ويُغيَّب عند الاعتداءات، ويُرفَع كشعار سيادي في الإعلام، فيما يُفرَّغ من مضمونه في الواقع. وهكذا تتحوّل الحصرية من مبدأ سيادي إلى قناع لغوي لعجز بنيوي، ومن وعد بالحماية إلى مطالبة بالتجريد دون مقابل.
ثم إنّ حصر السلاح لا ينفصل عن سؤال الشرعية. فالشرعية لا تُفرَض بالخطاب، بل تُبنى بالثقة، والثقة لا تُمنَح لدولة تتخلّى عن مواطنيها عند أول اختبار. من حق اللبناني أن يسأل: أين كانت الدولة حين قُصفت القرى؟ أين كانت حين تُرك الناس لمصيرهم في الأزمات؟ وأين هي اليوم من أبسط مقومات الأمن الاجتماعي والاقتصادي؟
إنّ النقاش الجدّي حول السلاح في لبنان لا يبدأ من مطالبة المجتمع بالتجرّد، بل من مساءلة الدولة عن وظيفتها. يبدأ من بناء جيش قادر فعلاً، وقضاء مستقل، وسياسة خارجية تحمي السيادة ولا تفاوض عليها، واقتصاد يؤمّن الكرامة. عندها فقط تصبح حصرية السلاح مساراً طبيعياً نابعاً من الثقة، لا قراراً قسرياً مفروضاً على مجتمع يشعر أنّه مكشوف.
أما الاكتفاء بترداد العبارة في وجه الخوف، فلا يبني دولة ولا يحمي مواطناً. بل يعمّق الفجوة بين السلطة والناس، ويحوّل شعار السيادة إلى أداة توبيخ، لا إلى مشروع خلاص. فالدولة التي تريد السلاح حصراً، عليها أولاً أن تكون حصرية في الحماية، والمسؤولية، والالتزام. من دون ذلك، تبقى العبارة صوتاً عالياً في فراغٍ أوسع: فراغ الدولة عن مجتمعها.