نحو رؤية نهضوية إنسانية: ضرورة وجودية لا مجرد خيار مثالي
نحو رؤية نهضوية إنسانية: ضرورة وجودية لا مجرد خيار مثالي
غازي منير قانصو

عضو اللجنة الوطنية للحوار الإسلامي - المسيحي

Saturday, 21-Feb-2026 06:59

في وقت تتكاثر الأزمات في عالمنا، وتتصاعد أصوات الحروب والتهديدات، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: كيف يمكننا بناء رؤية نهضوية إنسانية شاملة؟ إنّه سؤال يتجاوز حدود السياسة والاقتصاد، ليطال التربية والثقافة، وتنمية الشخصية، وبناء الحياة الاجتماعية، وصون القيم الإنسانية. إنّه، في جوهره، سؤال عن مصير الإنسان ذاته، وعن قدرته على استعادة جوهره المفقود في عالم يزداد تشظياً واضطراباً.

الإنسان بين التقدّم والتوحّش
لقد حققت البشرية إنجازات علمية وتقنية مذهلة، غير أنّ هذه الإنجازات تفقد معناها الإيجابي حين تنفصل عن بعدها الإنساني. فالتقدّم بلا قيم لا يصنع حضارة، بل يؤدي إلى فراغ متوحش يبتلع الإنسان، ويحوّله إلى مجرد رقم في معادلات الاقتصاد، أو أداة في لعبة السياسة والحروب. هنا تكمن الأزمة الحقيقية: إنّها أزمة فقدان الجوهر الإنساني، عندما يصبح الإنسان غريباً عن ذاته وعن محيطه البشري.

انهيار التماسك الاجتماعي
من أبرز مظاهر هذه الأزمة، أنّ القدرة على حل النزاعات أو الحفاظ على التماسك الاجتماعي باتت شبه معدومة. فالمجتمعات، بدلاً من أن تقوم على التضامن والتعاون، أصبحت مسرحاً لنزاعات لا تنتهي. وقد غابت القيم الجامعة التي تحفظ وحدة الجماعة الإنسانية، وحلّ محلها «منطق القوة» والمصلحة الضيّقة. هذا الانهيار في النسيج الاجتماعي ينعكس مباشرة في أشكال القلق التي يعيشها الأفراد، وفي التشظي الذي يفتت الروابط ويحوّل الإنسان إلى كائن معزول، فاقد للثقة بالآخرين.

ثقافة بلا إنسان
الثقافة التي تُجرّد من بعدها الإنساني ليست ثقافة، بل هي أرجوزة شيطانية، سواء كان أبطالها كباراً أم صغاراً. الثقافة الحقيقية هي التي ترفع الإنسان وتمنحه القدرة على مواجهة التحدّيات بروح خلّاقة. أما الثقافة التي تُستخدم لتكريس الهمجية أو لتبرير الظلم، فهي أداة لتدمير الروح وإفقار الوعي. أخطر ما يواجه العالم اليوم هو هذا الانحدار نحو ثقافة بلا إنسانية، ثقافة تُفرغ الحياة من معناها الإيجابي وتحوّلها إلى فراغ قاتل.

الإنسانية الحقة نقيض الهمجية
في مواجهة هذا الانحدار، تبرز الإنسانية الحقة كنقيض جذري للتوحش والهمجية. فهي كل ما يصون كرامة الإنسان، ويؤكّد قيمته ككائن حرّ، قادر على الإبداع والعطاء. الإنسانية ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هي ممارسة يومية تتجلّى في الأدب والفنون، وفي التربية، وفي النضال من أجل العدالة. فالأدب الذي يعبّر عن آلام الناس وآمالهم هو فعل إنساني بامتياز، لأنّه يذكّرنا بأننا جميعاً شركاء في التجربة البشرية. وكذلك النضال من أجل العدالة، لأنّه يسعى إلى إزالة الظلم وإرساء المساواة.

ملامح الرؤية النهضوية الإنسانية
الرؤية النهضوية الإنسانية التي يحتاجها العالم اليوم يجب أن تقوم على ركائز واضحة ومتكاملة:
1. تربية ذات بُعد إنساني: تربية تُعلّم الفرد كيف يكون مسؤولاً، وكيف يحترم الآخر، وكيف يسعى إلى الخير العام، وليس مجرد تلقين للمعارف والمعلومات.
2. سياسة في خدمة الإنسان: سياسة تجعل من العدالة والمسؤولية والعيش الكريم أهدافاً أساسية، لا مجرد لعبة مصالح ضيقة.
3. اقتصاد موجّه نحو الكرامة: اقتصاد يضع الإنسان في مركزه، ويهدف إلى القضاء على الفقر وضمان العدالة الاجتماعية، وليس مجرد السعي وراء أرقام ونسب النمو.
4. تنمية الذات والموارد البشرية: تمكين الفرد من اكتشاف ذاته، وتطوير قدراته، وتحقيق توازنه الداخلي، ليكون قادراً على مواجهة التحدّيات والمساهمة في بناء المجتمع.
5. العدالة: إرساء قواعد العدل في القوانين والمؤسسات، بحيث ينال كل ذي حق حقه، وتصان الحقوق ولا تُهدر.
6. الإنصاف: وهو أعمق من العدالة أحياناً، لأنّه يعني مراعاة الظروف الخاصة والتفاوتات الفردية والاجتماعية لضمان تكافؤ الفرص الحقيقي.
7. بناء الحياة الاجتماعية: مجتمع يقوم على التضامن، واحترام التنوع، وتعزيز الروابط الإنسانية، ليمنح الفرد شعوراً بالانتماء ويحرّره من العزلة.
8. المواطنة المتساوية: مواطنة لا تميز بين الناس على أساس الدين أو العرق أو الجنس، بل تضمن للجميع الحقوق نفسها والواجبات نفسها.
9. الحرّية: حرّية الفكر والتعبير والإبداع، في إطار المسؤولية الاجتماعية والقانون، فهي شرط أساسي لكل نهضة.
10. ثقافة التسامح والحوار: نشر ثقافة تتقبل الاختلاف، وتؤمن بالحوار كوسيلة لحل النزاعات، وتنبذ العنف والتطرف.
11. الاستثمار في الإنسان: جعل الاستثمار في التعليم والصحة والبحث العلمي الأولوية القصوى، لأنّ الإنسان هو أغلى مورد لأي مجتمع.
12. الوعي البيئي والمسؤولية الكونية: إدراك أنّ الإنسان جزء من هذا الكون، وأنّ عليه مسؤولية في الحفاظ على البيئة وحماية كوكب الأرض للأجيال القادمة.


التحدّي العالمي
التحدّي الذي يواجه العالم اليوم ليس تقنياً ولا اقتصادياً فحسب، بل هو تحدٍّ إنساني بالدرجة الأولى. فإما أن نعيد اكتشاف إنسانيتنا ونبني حضارة جديدة تقوم على قيم الروح والكرامة، وإما أن نستسلم للتوحش القاتل الذي يقود إلى الانهيار. القلق، والتشظي الاجتماعي، والانحدار نحو الهمجية ليست قدراً محتوماً، بل هي نتاج خيارات بشرية يمكن تغييرها إذا توفرت الإرادة والرؤية.

صرخة من أجل الإنسان
ختاماً، إنّ صياغة رؤية نهضوية إنسانية هي صرخة في وجه لغة الأزمات والحروب والتهديدات، وضدّ كل أنواع النزاعات التي تستهلك طاقات البشرية. هي دعوة صادقة إلى إرساء ثقافة إنسانية جامعة، يعمل الجميع في كنفها، ويحتمي الجميع بظلها. هذه الرؤية ليست حلماً بعيد المنال، بل هي ضرورة وجودية، وشرط أساسي لبقاء الإنسان، وإنقاذ الحضارة من الانحدار نحو اللا إنسانية. إنّها الاستثمار الأبقى في مستقبل نريده أن يكون أكثر إشراقاً وإنسانية.

theme::common.loader_icon