بالتزامن مع استئناف المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية في جولتها الثانية في جنيف بعد مسقط في حضور الوسيط العماني، توجّهت الأنظار إلى ما ستكون عليه عروض الطرفين. وفي الوقت الذي تحدث أكثر من مسؤول أميركي عن سلة كاملة تجمع الملف النووي مع منصات الصواريخ والنفوذ الإيراني في الخارج، كرّر الإيرانيون الدعوة إلى «صفقة منفصلة» تحيي عرضاً قديماً، بالمقايضة بين التخصيب النووي وفك العقوبات. وهو ما أحيا «التجربة العراقية» السابقة بـ «النفط مقابل الغذاء». وعليه، ما الجديد المحتمل؟
عشية عقد الجولة الثانية من المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية لم تنتج الحركة الديبلوماسية الجارية على أكثر من مستوى، أي جديد بالنسبة إلى التقارب الذي قد يتحقق بين الطرفين إلى هذه اللحظة. كل ذلك يجري على وقع التحضيرات العسكرية الأميركية التي بلغت الذروة في الأيام القليلة الماضية بضمّ حاملة الطائرات «يو. آس. آس. جيرالد آر فورد» والقِطع البحرية المكمّلة لها، إلى نظيرتها «يو. آس. آس. أبراهام لينكولن» في المسرح الواسع للعمليات العسكرية الممتد من بحر العرب والمحيط الهندي إلى البحر الأحمر ومنه إلى البحر الأبيض المتوسط والدول التي تشاطئها، في المواجهة المفتوحة على شتى الاحتمالات مع إيران.
وفي الوقت الذي أكّد المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، انّ الفريق المفاوض أعدّ «حزمة مقترحات لتقديمها في مفاوضات جنيف»، لفت رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإيراني إلى أنّ تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب «طائشة وغير مسؤولة». وإنّ عليه «أن يدرك أنّه إذا دخل في مواجهة فسيجد نفسه في معركة ستكون عبرة له». وتحدث مسؤولون إيرانيون آخرون عن «تنازلات نووية من أجل التوصل إلى اتفاق جديد»، شرط أن يتضمن أي تفاهم محتمل «رفع العقوبات المفروضة عليها». وتزامناً مع ترحيب أحد القادة في الحرس الثوري الإيراني بانضمام حاملة طائرات أميركية إلى زميلتها «أمر رائع لأنّه سيكون عليهم التعرّض لهدفين بدلاً من واحد». في حين قال نائب وزير الخارجية الإيراني مجيد تخت روانجي، في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية من طهران، إنّ «الكرة في ملعب الولايات المتحدة لإثبات أنّها تريد التوصل إلى اتفاق»، مضيفًا: «إذا كانوا صادقين، فأنا على يقين بأننا سنكون على طريق التوصل إلى اتفاق».
وإلى جانب هذه التصريحات الإيرانية شبه الموحّدة، برزت المواقف الإسرائيلية والأميركية التي تصرّ على وجهة نظر متكاملة لم تتقبّلها إيران حتى اليوم، ارتفع منسوب التوتر مجدداً، وتعدّدت السيناريوهات الغامضة لكل ما هو محتمل من إجراءات يمكن أن تؤدي إليها الخطوات المتبادلة. وهو ما يقود إلى اتهامات متبادلة بالعرقلة، وكأنّ أياً من الطرفين ليس جاهزاً لأي تفاهم قبل أن تنكسر الحلقات المفرغة التي تدور فيها المفاوضات ما بين عمان وجنيف وقبلهما في الدوحة وعواصم مختلفة. فبين اتهامات الأميركيين للمسؤولين الإيرانيين بأنّهم «ليسوا صادقين في مواقفهم» لسبب وجيه، وهو أنّهم «لا يحاكون سوى المجتمع الإيراني الداخلي في البلد المختل إلى أحد الانهيار المالي والنقدي والاقتصادي والمهتز أمنياً»، كرّر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قوله، إنّ ترامب «وإن لوّح بالضربة العسكرية»، فإنّه ما زال «يفضّل إبرام اتفاق»، بعدما أقرّ بأنّ ذلك «صعب جداً». وهو ما أيّده اكثر من مسؤول إسرائيلي، نتيجة التشكيك المتمادي بالاستعدادات الإيرانية التي لا تحاكي اياً من الاقتراحات الديبلوماسية، وكأنّها تسعى إلى مواجهة عسكرية لا بدّ من بلوغها في أي حين.
وقياساً على ما تقدّم من مواقف ومؤشرات، دعت مراجع عليمة بإلحاح إلى التريث عند تقدير أي خطوة مقبلة اياً كان شكلها وحجمها، عسكرية كانت أم سياسية وديبلوماسية، ورأت أنّها تتلاقى مع ما أشارت إليه تقارير إعلامية إسرائيلية في عطلة نهاية الأسبوع إلى صعوبة إجراء اي تغيير في النظام الإيراني، ليس لسبب أهم من صعوبة مثل هذه «العملية الجراحية الكبرى». وهي تحتاج إلى كثير من التحضيرات المفقودة. فمثل هذا الإجراء القاسي لا يمكن أن يُنجز من دون قوة عسكرية برية كبيرة، تلاقيها معارضة إيرانية داخلية مؤهلة لتُحدث تغييراً كبيراً في التركيبة الهرمية للإدارة الإيرانية العميقة بوجوهها العسكرية والاستخبارية وحجم الانتظام الشعبي خلف القيادة الدينية، بعدما فَقَد المجتمع الإيراني على مدى 47 عاماً من قيام الثورة، الأمل في أي تغيير محتمل، ومجرد التفكير بالعودة إلى زمن غابر أو اجتراح نظام جديد يحيي فيهم الحلم بالتغيير المرتجى والانفتاح على العالم، على خلفية ما نما من تيارات تدعو إلى وقف تمويل الأذرع الإيرانية في الخارج وترك المال الإيراني للإيرانيين بدل إنفاقه في لبنان او في اليمن وسوريا وربما في العراق والبحرين، بعد القيام بإحصاء دلّ انّ مليارات عدة من الدولارات أُنفقت في أنظمة ولدعم قوى انهارت بين ليلة وضحاها، ولم تُحدث اي تغيير مستدام طويل الأمد.
على هذه الخلفيات، نصحت التقارير الديبلوماسية المتعددة التي وردت من أكثر من عاصمة غربية، بضرورة رصد المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية التي تستضيف جولتها الثانية منها السفارة العمانية في جنيف، والرهان مرّة جديدة على الوسيط الديبلوماسي العماني المتوازن والموثوق، للإفراج عن مجموعة من الخطوات لا تريح الإيرانيين فحسب، وتُبعد عنهم شبح «الضربة القاضية»، إن وجهّت هذه المرّة بفعل حجم النيران المخصصة لها، شرط أن لا يتجدّد السماح الأميركي لإسرائيل لتتكفّل بمصير سلاح «ذراعها» في لبنان، فتنعم الساحة الإيرانية بالانفراج بعد استنساخ التجربة العراقية بـ«تبادل التنازلات النووية الإيرانية مقابل فكفكة العقوبات الأميركية»، ليدفع لبنان مرّة ثانية وثالثة ورابعة كلفة التعاطي مع «السلاح الإيراني» المنتشر خارج أراضيها.