في زيارة خاطفة حملت أبعاداً رياضية وسياسية ورمزية، أصبح رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو مواطناً لبنانياً رسمياً، بعد استكماله إجراءات الحصول على الجنسية اللبنانية في مقر وزارة الداخلية والبلديات. الحدث لم يكن بروتوكولياً فحسب، بل عكس رغبة متبادلة في تعزيز حضور لبنان على الساحة الرياضية الدولية، وفتح الباب أمام مشاريع تطويرية أبرزها إنشاء ملعب حديث بمعايير عالمية.
أنهى إنفانتينو إجراءات البصمة له ولأفراد عائلته بحضور وزير الداخلية أحمد الحجار، ورئيس الاتحاد اللبناني لكرة القدم هاشم حيدر، والأمين العام جهاد الشحف، تمهيداً لتسلّمه الهوية اللبنانية. وخلال اللقاء، قدّم إنفانتينو قميصاً رسمياً من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) يحمل اسمه، بالإضافة إلى هدية تذكارية، في لفتة تعكس عمق العلاقات والتقدير المتبادل. من جهته، أعرب عن محبّته للبنان واعتزازه بزيارته، مؤكّداً حرصه على دعم كرة القدم اللبنانية وتعزيز التعاون مع اتحادها الوطني.
وكان إنفانتينو قد وصل إلى بيروت في زيارة رسمية ليوم واحد برفقة عائلته، حيث استُقبل من قبل حيدر والشحف وممثل مكتب «فيفا» في دبي عصام السحيباني. وفي لفتة ترحيبية، قدّم له حيدر قميص المنتخب اللبناني يحمل اسمه والرقم 9، في إشارة رمزية إلى العلاقة المتنامية بين الاتحادَين اللبناني والدولي.
الزيارة شملت سلسلة لقاءات رسمية رفيعة المستوى، إذ التقى رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ووزيرة الشباب والرياضة نورا بيراقدريان. وقد تناولت الاجتماعات ملفات رياضية وتنموية مرتبطة بتطوير كرة القدم اللبنانية، بالإضافة إلى متابعة مشاريع التعاون القائمة مع الاتحاد الدولي.
خلال لقائه رئيس الحكومة، قدّم إنفانتينو كرة «فيفا» الخاصة بكأس العالم 2026 موقّعة باسمه، بينما قدّمت له وزيرة الشباب والرياضة هدايا تذكارية من لبنان، في إطار تعزيز العلاقات الرياضية والثقافية. أمّا في لقائه مع رئيس الجمهورية، فقد وجّه الشكر للدولة اللبنانية على منحه الجنسية، مؤكّداً أنّ هذه الخطوة تمثل مصدر فخر شخصي له، وتعكس عمق ارتباطه بلبنان.
وتجاوزت الزيارة الطابع الرمزي لتشمل ملفات عملية، إذ أكّد حيدر أنّ المباحثات مع «فيفا» شهدت تقدُّماً ملحوظاً، خصوصاً في ما يتعلّق بمشروع إنشاء ملعب جديد في لبنان بتمويل من الاتحاد الدولي. وأوضح أنّ المشروع سيُنفّذ وفق مواصفات عالمية، وأنّ العمل جارٍ لتحديد الموقع المناسب، مع إحراز تقدُّم مهم في هذا الملف.
كما اتفق الجانبان على القيام بزيارة إلى دولة عربية تمتلك نموذجاً مشابهاً لهذا المشروع، للإطلاع على تجربتها تمهيداً لاعتماد نموذج مماثل في لبنان. وفي هذا السياق، كشف إنفانتينو أنّه جرى التنسيق مع الجهات المعنية في المغرب لتنظيم زيارة يشارك فيها ممثلون عن الاتحاد اللبناني لكرة القدم وعن رئاسة الجمهورية، للإطلاع على ملعب نموذجي يشكّل مرجعاً لتنفيذ المشروع اللبناني.
وأكّد رئيس الجمهورية أنّه يتابع شخصياً ملف إنشاء الملعب، بهدف تأمين أرض مناسبة تلبّي المعايير المطلوبة، فيما شدّد إنفانتينو على أنّ المشروع يحظى بأولوية قصوى لديه، لما يمثله من خطوة أساسية في تطوير البنية التحتية لكرة القدم اللبنانية.
تأتي هذه التطوّرات بعد زيارة سابقة قام بها إنفانتينو إلى لبنان في تشرين الثاني 2025، حين طُرحت حينها مسألة منحه الجنسية اللبنانية، وهو الوعد الذي تحقق أمس رسمياً. ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنّها تتجاوز بعدها الشخصي، لتشكّل رسالة دعم واضحة لكرة القدم اللبنانية ولحضور لبنان الرياضي على المستوى الدولي.
وبين رمزية الجنسية، والديبلوماسية الرياضية، ومشروع الملعب المنتظر، تبدو زيارة إنفانتينو القصيرة وكأنّها إشارة إلى مرحلة جديدة من التعاون بين لبنان و«فيفا»، مرحلة قد تُعيد رسم موقع كرة القدم اللبنانية على الخريطة الإقليمية، وتمنحها بُنية تحتية وفرصاً تنافسية طال انتظارها. في عالم تتحوّل فيه الرياضة إلى لغة نفوذ ناعمة، تبدو الكرة هنا أكثر من مجرّد لعبة؛ إنّها أداة بناء وصورة وطن.