بتقديم ترشيحه للإنتخابات النيابية المقرّرة في 3 أيار المقبل يقطع رئيس مجلس النواب نبيه بري الشك باليقين في أنّها ستُجرى في موعدها وعلى أساس القانون الإنتخابي النافذ بعيداً من أي تأجيل تقني أو تمديد للمجلس الحالي، فمثل هذا التمديد لا يحصل عادةً إلّا تحت وطأة ظروف قاهرة جداً. وعليه بعد هذا الترشيح ستكُرّ سُبحة الترشيحات استباقاً لإقفال باب تقديمها في العاشر من آذار المقبل.
لا يمكن اعتبار إعلان الرئيس بري ترشحه للانتخابات تفصيلاً عابراً في الحياة السياسية اللبنانية. ففي بلدٍ تتداخل فيه الحسابات الطائفية بالمصالح السياسية والحزبية، وتتقاطع فيه العوامل الداخلية مع التأثيرات الإقليمية، يتحوّل أي موقف يصدر عن شخصية بحجم بري مؤشراً سياسياً تتعدّى دلالاته الإطار الانتخابي الضيّق. ولذلك يشكّل هذا الإعلان خطوة سياسية تتجاوز إطارها الإجرائي الطبيعي، لتدخل في صلب التوازنات اللبنانية الدقيقة، وتعكس جملة من الرسائل والقراءات المرتبطة بالمرحلة الداخلية والإقليمية. وأنّ ترشح شخصية تشغل موقعاً دستورياً بهذا الوزن منذ عقود لا يُفهم فقط كاستحقاق انتخابي دوري، بل كمؤشر إلى اتجاهات المشهد السياسي المقبل.
فمنذ العام 1992، يتولى بري بثبات واستمرارية رئاسة المجلس النيابي، مستنداً إلى شرعية انتخابية متجدّدة وإلى موقعه كرئيس لحركة «أمل»، ما جعله أحد أبرز أعمدة النظام التوافقي والمعادلة الوطنية بعد إقرار وثيقة الوفاق الوطني المعروفة بـ»اتفاق الطائف». وعليه، فإنّ ترشحه لا يُقرأ فقط كخطوة طبيعية لتجديد مقعد نيابي، بل كإعلان سياسي يحمل رسائل تتصل بالاستمرارية، وبالثقة في ميزان القوى القائم، وبالإستعداد لمواجهة مرحلة قد تكون مختلفة عن سابقاتها.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل أي استحقاق لبناني عن السياق الإقليمي. فلبنان يتأثر مباشرة بتوازنات المنطقة، سواء على مستوى العلاقات العربية ـ الإيرانية، أو تطوّرات الإعتداءات الإسرائيلية في الجنوب، أو التحوّلات في الموقف الدولي من لبنان. وأنّ ترشح شخصية بحجم بري يعطي انطباعاً بأنّ المعركة لن تكون سهلة أو مفتوحة بكاملها أمام تبدّلات جذرية، لأنّ الزعامات الراسخة ما زالت تتمتع بشبكات تنظيمية وخدماتية وانتخابية متينة، خصوصاً في دوائرها التقليدية.
من الناحية الدستورية، يعكس ترشح بري التزاماً بآليات الدستور التي تجعل موقع رئاسة المجلس نتاجاً مباشراً للإنتخابات النيابية. فالرجل بصفته نائباً منتخباً عن الجنوب ورئيساً للمجلس منذ عام 1992، يستمد شرعيّته من صناديق الاقتراع قبل أي اعتبار آخر. ولذلك يكرس ترشيحه مبدأ العودة إلى الناخبين لتجديد التفويض.
رسالة مزدوجة
بيد ان ترشح بري ينطوي على رسالة مزدوجة: من جهة، يؤكد أن الاستحقاق النيابي يجب أن يُجرى في موعده، ومن جهة أخرى، يشكل إعلاناً ضمنياً عن أن القوى التقليدية ليست في موقع الدفاع أو التراجع، بل في موقع التحضير المبكر لخوض معركة تعتبرها مفصلية.
غير أن التجربة اللبنانية تُظهر أن الأزمات لا تؤدي بالضرورة إلى تغيير جذري في الخريطة السياسية. فالبنية الطائفية للنظام، وطبيعة التحالفات العابرة للمناطق، وقوة الماكينات الانتخابية التقليدية، كلها عوامل تميل إلى إعادة إنتاج التوازنات نفسها ولو بصيغ معدلة. وهنا تحديداً تكمن أهمية ترشح بري، بصفته أحد رموز الاستمرارية السياسية في البلاد.
ثلاثة مسارات
وفي النتائج المحتملة للانتخابات المقبلة، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية:
ـ المسار الاول، إعادة إنتاج المعادلة القائمة بحيث أن القوى التقليدية تحافظ على أحجامها الأساسية داخل المجلس النيابي، مع تغييرات طفيفة لا تمس جوهر التوازنات. وفي هذه الحالة، تبقى التسويات السياسية هي الآلية الحاكمة، ويستمر موقع رئاسة المجلس ضمن السياق نفسه الذي عرفه لبنان خلال العقود الماضية. وسيكون ذلك بمثابة تثبيت للمعادلة لا أكثر.
ـ المسار الثاني، ان تأتي التوازنات أكثر هشاشة وتعقيداً، بحيث قد تسفر الانتخابات عن مجلس نيابي موزع بنحو أدق، بلا أكثرية واضحة لأي فريق. وعندها تصبح عملية انتخاب رئيس المجلس وتشكيل الحكومات أكثر تعقيداً، ويزداد هامش المساومات السياسية. وفي هذا السيناريو، حتى لو استمرت الشخصيات نفسها في مواقعها، فإن قدرتها على إدارة اللعبة السياسية قد تتأثر بموازين قوى أكثر تشظياً.
ـ المسار الثالث، حصول تحوّل تدريجي في بنية التمثيل وهو ما يفترض ان تحقق قوى اصلاحية او مستقلة تقدماً ملحوظاً في الانتخابات، بما يؤدي إلى تعديل ملموس في شكل المجلس النيابي. وهذا التحول، إن حصل، لن يعني انقلاباً فورياً على النظام، لكنه قد يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول تطوير الحياة السياسية، وتعزيز المساءلة، وإعادة النظر في أولويات السياسات العامة.
والسؤال الذي يطرح نفسه في سياق هذا العرض هو: هل تكون 2026 محطة مفصلية؟
الجواب عليه سيتحدد في ضوء هو ما إذا كانت انتخابات 2026 ستشكل نقطة انعطاف حقيقية في مسار الحياة السياسية اللبنانية. فالمفصلية هنا لا تُقاس فقط بعدد المقاعد التي ستتبدل، بل بمدى قدرة النتائج على إحداث تغيير في أسلوب الحكم وفي طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع.
وفي هذا الإطار، يبدو ترشح بري تجسيداً لرهان واضح على الثبات، وعلى قدرة البنية السياسية الراسخة على الصمود في وجه التحولات. لكنه في الوقت نفسه يضع هذه البنية أمام اختبار جديد، عنوانه مدى قدرتها على التكيف مع مجتمع يطالب بإصلاحات أعمق وبمقاربة مختلفة لإدارة الدولة.
يبقى انه في بلد كلبنان، حيث تتقاطع الطائفية مع السياسة، والاقتصاد مع الجغرافيا، لا يُقرأ أي ترشح بمعزل عن شبكة معقدة من التوازنات. وعليه، فإن إعلان بري ترشحه للانتخابات ليس مجرد خطوة روتينية، بل حدث سياسي يحمل في طياته أبعاداً دستورية، ورسائل داخلية، وإشارات إقليمية، ومؤشرات إلى طبيعة المرحلة المقبلة.
وفي اي حال قد لا تحمل انتخابات 2026 إجابات نهائية حول مستقبل النظام اللبناني، لكنها ستشكل بلا شك محطة قياس أساسية لاتجاهاته. وبين خيار إعادة إنتاج المعادلة التقليدية، أو الدخول في مسار تحول تدريجي، يقف لبنان أمام استحقاق يتجاوز الأفراد إلى سؤال أكبر: أي حياة سياسية يريدها اللبنانيون في العقد المقبل؟