غرق بيتكوين الكارثي... فرصة لحيتان الاستثمار؟
غرق بيتكوين الكارثي... فرصة لحيتان الاستثمار؟
البروفيسور ندى الملّاح البستانيّ

بروفيسور في جامعة القدّيس يوسف ببيروت، رئيسة مؤسِّسة لجمعيّة التميّز للأبحاث المبتكرة والاستدامة والتنمية الاقتصاديّة "AXISSED"

Friday, 13-Feb-2026 07:33

يشهد العالم المالي حالياً ما يصفه العديد من الخبراء بالإنهيار الكارثي لقيمة البيتكوين والعديد من العملات المشفّرة الأخرى. بعد فترة من النشوة غير المسبوقة التي تجاوزت فيها البيتكوين عتبة 80,000 دولار أميركي، ووصلت في النهاية إلى ذروة تتراوح بين 115,000 و130,000 دولار أميركي، اتخذ السوق منعطفاً حاداً نحو الانخفاض، إذ فَقدَ أكثر من ثلث قيمته منذ العام الماضي. وقد تسبّب هذا التقلّب في خسائر فادحة للمستثمرين الأفراد، في حين تتعامل المؤسّسات و"حيتان السوق" مع هذه الاضطرابات باستراتيجيّات مختلفة.

في المشهد العام، نرى أنّ أسباب هذا الإنهيار ليست مرتبطة بحدث واحد، بل هي تقاطع معقّد بين الضغوط النفسية والتحوّلات السياسية والتلاعب بالسوق والهجرة الأوسع للسيولة نحو الأصول التقليدية الآمنة مثل الذهب والفضة.

 

إنّ أحد الدوافع الرئيسية للاضطراب الأخير هو الحالة النفسية للمستثمر العادي. فمن المعروف أنّ سوق العملات المشفّرة حساس للغاية تجاه الأخبار الرائجة، والمعلومات، ووسائل الإعلام. غالباً ما تخلق الأخبار السلبية ومبالغة وسائل الإعلام بيئة من الضغط الشديد، ممّا يدفع المستثمرين إلى اتخاذ قرارات متسرّعة مدفوعة بالخوف، تؤدّي إلى خسائر مالية كبيرة.

 

غالباً ما يسبق هذا الضغط النفسي ظاهرة تُعرف باسم FOMO أو الخوف من الفقدان. فخلال الارتفاع الهائل، انجذب العديد من المستثمرين الأفراد إلى «بريق الرقمية» ووعد ثورة مالية جديدة. مع ارتفاع الأسعار إلى 115,000 و120,000 دولار أميركي، اندفع هؤلاء المتداولون الأفراد إلى السوق عند مستويات قياسية، خوفاً من أن تفوتهم فرصة العمر. عندما وقع تصحيح حتمي في السوق، وانخفضت الأسعار إلى أدنى من 70,000 دولار أميركي، كان هؤلاء المستثمرون أنفسهم أول مَن أصيب بالذعر وخرجوا من السوق، وغالباً ما قاموا بتصفية حساباتهم بالكامل.

 

كذلك، ارتبط مسار البيتكوين ارتباطاً وثيقاً بالمشهد السياسي الأميركي، وتحديداً بتأثير الرئيس دونالد ترامب. ففي حملته الانتخابية، تعهّد ترامب بجعل الولايات المتحدة «عاصمة العملات المشفّرة في العالم»، وهو موقف غيّر زخم السوق بشكل جذري. فكان لتأييده العلني وتغريداته تأثير محفّز هائل، ممّا دفع السوق إلى الاستجابة بشكل «عنيف وسريع» مع كلّ تصريح.

 

يشير الخبراء إلى أنّ الارتفاع فوق عتبة 100,000 دولار أميركي كان مدفوعاً إلى حدّ كبير بوصول إدارة مؤيّدة للعملات المشفّرة إلى البيت الأبيض. ومع ذلك، ثبُت أنّ هذا الدعم السياسي سلاح ذو حدَّين. ففي حين أنّه أعطى السوق «دفعة» في البداية، فإنّ الحساسية المتجذرة في الأصول الرقمية تعني أنّ أي تغيير في المزاج السياسي، أو عدم إحراز تقدّم فوري في التنظيم يمكن أن يتسبّب في تراجع السوق بنفس السرعة التي ارتفعت بها.

 

بالإضافة إلى العوامل النفسية والسياسية، أدّت الآليات المادية للسوق دوراً حاسماً في الانهيار. إذ يتأثّر بشدّة بـ «حيتان البيتكوين»، وهم مستثمرون كبار يمتلكون كمّيات ضخمة من العملة. وعندما يقرّر هؤلاء المستثمرون بيع ممتلكاتها في وقت واحد، يمكن أن تؤدّي إلى انهيار سريع في الأسعار لا يستطيع الأفراد تحمّله.

 

علاوةً على ذلك، شكّلت الذروة الأخيرة فرصة مثالية لجني الأرباح الضخمة. إذ شهد المستثمرون الذين دخلوا السوق عند نقاط أقلّ بكثير - مثل 15000 أو 20000 دولار أو 30000 دولار أميركي - تضاعف استثماراتهم مع اقتراب البيتكوين من 130000 دولار أميركي حينها. بالنسبة إلى هؤلاء المستثمرين المخضرمين، أدّى قرار السحب، وتحقيق مكاسبهم إلى ضغط هبوطي شديد على السعر. كما نقلت عملية السحب هذه بشكل فعّال عبء السعر المرتفع إلى المتداولين الأفراد الذين اشتروا عند الذروة، ليشهدوا بعد ذلك انخفاضاً حاداً في القيمة بعد فترة وجيزة.

 

على صعيد آخر، انقلب المناخ الاقتصادي الأوسع نطاقاً ضدّ الأصول الرقمية عالية المخاطر. ممّا أدّى تشديد السياسة النقدية وارتفاع أسعار الفائدة إلى ثني المستثمرين عن الاحتفاظ بأصول متقلّبة مثل البيتكوين. في عصر أسعار الفائدة المرتفعة، تصبح «درجة المخاطرة» المرتبطة بالعملات المشفّرة أكثر صعوبة لدى كثيرين.

 

بالإضافة إلى ذلك، لا يزال السوق يعاني من مخاوف أمنية، بما في ذلك الهجمات الإلكترونية المتكرّرة. فالخوف من أن «تختفي» منصة رقمية فجأة أو تتعرّض للخطر، يزيد من نفور المستثمرين، خصوصاً عند مقارنتها بالأمان الملموس للأصول المادية. على عكس المؤسسات الاستثمارية التي قد تستغل انخفاض الأسعار إلى 60,000 أو 70,000 دولار أميركي كـ«فرصة استثمارية» لتعزيز مراكزها، يفتقر المستثمرون الأفراد إلى المرونة اللازمة لتحمّل هذه الصدمات.

 

كذلك، ربّما يكون الاتجاه الأكثر أهمّية الذي حُدِّد في الانهيار الأخير هو تحوّل السيولة من سوق العملات المشفّرة إلى المعادن الثمينة. إذ يفضّل المستثمرون بشكل متزايد الذهب والفضة بسبب انخفاض مخاطرهما وعوائدهما المضمونة في بيئة عالمية متقلّبة.

 

علاوةً على ما ذُكر، ثمّة عدّة عوامل تدفع هذا التحوّل، أهمّها التنظيم والنضج، إذ يوصف سوق العملات المشفّرة بأنّه «سيّئ التنظيم» ولم يصل بعد إلى النضج المطلوب للحفاظ على سوق صاعد مستمر. كذلك ثمّة تفضيل متزايد للأصول التي يمكن الاحتفاظ بها في خزنة، أو شراؤها من خلال منصات آمنة عبر الإنترنت، ممّا يوفّر مستوى من الأمان لا يمكن أن تضاهيه العملات الرقمية.

 

ختاماً، من المتوقّع أن يستمر «تدفق السيولة» إلى المعادن في الضغط على سوق العملات المشفّرة في المستقبل المنظور. إذ يوصف الوضع الاقتصادي العالمي الحالي بأنّه «صعب وحساس»، ويتميّز بتوترات جيوسياسية عالية تؤثّر على جميع المناطق، وليس فقط الشرق الأوسط.

 

في مثل هذا المناخ، فإنّ أفضل دفاع لأي مستثمر هو تنويع المحفظة. فالاعتماد على فئة أصول واحدة فقط، خصوصاً فئة متقلّبة مثل البيتكوين، هو استراتيجية خطيرة. وبدلاً من ذلك، يجب أن توزّع المحفظة المحمية على العقارات، المعادن الثمينة، السندات والأسهم، وغيرها.

 

هكذا، يضمن التنويع أن تبقى المحفظة الإجمالية مستقرة في حالة حدوث «انهيار كارثي» في سوق العملات المشفّرة. وفي حين أنّ تقنية البلوكتشين التي تقف وراء البيتكوين تُشاد باعتبارها «آمنة للغاية»، فإنّ السوق نفسه يحتاج إلى مزيد من النضج والتنظيم قبل أن يمكن اعتباره ركيزة مستقرّة لاستراتيجية استثمار قياسية. وحالياً، لا تزال «درجة المخاطرة» مرتفعة للغاية، ويستمر التحرّك نحو الملاذات التقليدية الأكثر أماناً في تحديد العصر المالي الحالي.

theme::common.loader_icon