وأخيراً عُيِّنت الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء... فمتى ينتظم أداء المرفق؟!
وأخيراً عُيِّنت الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء... فمتى ينتظم أداء المرفق؟!
غسان بيضون
Wednesday, 11-Feb-2026 06:53

بتعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء وأخواتها من الهيئات المنشأة بموجب قوانين قديمة أو حديثة، يكون فخامة رئيس الجمهورية قد أوفى بعهده بأن يعمل مع مجلس الوزراء على تعيين هذه الهيئات، وبقي التأسيس لادارة حديثة لا حصرية ولا مركزية، تحسن إدارة أصولها، لا عقدة لديها من القطاع الخاص، تمنع الاحتكار وتعزّز المنافسة وتحمي المستهلك وتمنع الهدر، وتقدّم خدمات نوعية للمواطنين بأفضل الأسعار، كشرط أساسي للحفاظ على كرامة اللبناني وإنعاش الاقتصاد.

بالفعل، وبعد انتظار استمر لعقود، تمّ تنفيذ أحكام تعيين المادة السابعة من قانون تنظيم قطاع الكهرباء رقم 2002/462، وصدر المرسوم رقم 1403، تاريخ 2025/9/30، وقضى بتعيين رئيس وأعضاء هيئة تنظيم قطاع الكهرباء المؤلفة من رئيس وأربعة أعضاء، لمدة خمس سنوات غير قابلة للتجديد أو التمديد؛ غير أنّ هذه الهيئة لم تعبّر عن وجودها بعد، ولم تعلن عن توجّهاتها بعد أشهر على تعيينها المتأخّر لعقود، فاستمر فساد القطاع والفوضى فيه على حاله: بواخر محروقات من مصادر محظورة بمستندات تناقلت وسائل الإعلام عن تزوير فيها لإخفاء منشئها، واستمر الهدر على شبكات المؤسسة واستمر معه تحميل أعبائه، من دون وجه حق، للمواطن المشترك الملتزم باستمداد التيار من خلال عدّاد اشتراكه، وبتعرفة عالية مخالفة للأصول، ومحتسبة على 110$ لبرميل النفط، وذلك على رغم من انخفاض تدريجي خلال السنوات الماضية، وصل إلى دون الـ60 دولاراً، قبل العودة إلى الارتفاع مؤخّراً، ورسم ثابت على رغم من ضآلة التغذية، يٌحتسب خلافاً لنظام استثمارها. هذا ولا يقتصر الظلم والإجحاف على المشترك الملتزم، وإنما يتعدّاه إلى مختلف إدارات الدولة ومؤسساتها العامة وموازناتها، وكذلك إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، فينعكس ذلك أيضاً على المستهلك من خلال رفع اسعار السلع ورسوم الإشتراك بخدمات المرافق العامة، من مياه واتصالات.
وعلى أمل تنفيذ الإجراءات التحضيرية المنصوص عليها قي المادة 13 من قانون تنظيم قطاع الكهرباء، لتمكين الهيئة الناظمة المنبثقة عنه من مباشرة نشاطها، وجلاء خلفيات تغيّب رئيسها، ننتظر بشغف الإعلان عن طروحات تصدر عنها، وتكون جدّية ومجدية وواقعية، تستفيد من تجارب الماضي وتأخذ في الإعتبار الواقع المستجدّ على أرض الواقع، بما فيه مبادرات الأفراد المتمثلة بتركيب وحدات الطاقة الشمسية، وتجارب العديد من بلديات القرى في مختلف المناطق، التي نجحت في تأمين الكهرباء لساكنيها من الطاقة الشمسية، وكذلك الصناعيِّين والإدارات والمؤسسات العامة، ممَّن توفّرت لها قروض أو هبات مخصَّصة لهذه الوجهة.
وفي إطار التغيُّرات المستجدة، لا بُدّ من ذكر القوانين والإعفاءات وأذونات وتراخيص الإنتاج الصادرة في هذا الإطار، في غياب المعايير والقواعد والمواصفات الموحّدة، المفترض أن تصدر عن الهيئة الناظمة، وترعى مختلف مستويات إنتاج الكهرباء، بما فيه الواقع منها تحت عتبة الـ1,5 ميغاواط للاستعمال الخاص، والمفترض أن تراعي المعايير الصحية والبيئية ومقتضيات السلامة العامة، التي يقع تحديدها أيضاً ضمن صلاحيات الهيئة الناظمة.
وبناءً على «الفوضى» المتوقع أن تكون سادت قطاع الطاقة المتجدّدة، في غياب الهيئة الناظمة، واستمرّت معها أضرار قطاع مولّدات الأحياء والمدن المنتشرة، حيث هناك هواء يتنشّقه مواطن، لا بُد أن تكون أولى أولويات الهيئة الناظمة هي إجراء مسح للواقع بتشوّهاته واختلافاته وتبايناته وربما مخالفاته، بهدف تسوية أوضاعه القائمة بفعل الأمر الواقع، فتضع وتُحدِّد، بنتيجة المسح، المعايير الفضلى والمواصفات، التي تحقق الوحدة والإنسجام في ما بين المشاريع والمزارع القائمة فعلاً، والمفترض تطبيقها والإلتزام بها حفاظاً على المصلحة والسلامة العامة من دون محاباة أو تمييز.
ولا بُدّ من التنويه في هذا المجال إلى القرارات الصائبة التي اتخذها مجلس الوزراء مؤخّراً، وتتعلّق بإدماج الحلول الموضوعة لمعالجة قدرة المطامر على الاستيعاب، وتمليك البلديات مساحات العقارات القائمة عليها المطامر الواقعة ضمن نطاقها، والإجازة لها بتركيب منظومة توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية على سطح المطمر، وإنشاء محطة لتوليد الكهرباء من الغاز المنبعث منه.
إنّ توفير الشروط الملائمة لانطلاق ورش إصلاح قطاع الكهرباء توصّلاً لمعالجة أزماته المزمنة، يقتضي إقرار مشروع القانون المرسل خلال العام 2017، المتعلّق بإعطاء حوافز للبلديات التي تقع ضمن نطاقها معامل فرز النفايات ومعالجتها، والمطامر الصحية، من خلال مشاريع إنمائية تمتد على 4 سنوات، ويمكن تمويل هذه المشاريع عن طريق تفعيل قانون تمكين البلديات الصادر مؤخّراً، ويؤمِّن لها إيرادات إضافية لتغطية نفقات جمع النفايات، وكذلك تفعيل قانون تنظيم الشراكة بين القطاعَين العام والخاص، فيكون الدخول من معالجة النفايات إلى دعم إنتاج الكهرباء.
في ظلّ هذا المشهد المفتوح على أمل وتفاؤل بوضع أزمة الكهرباء، ومعها إلى حدّ معقول أزمة النفايات على سكة الحل، يبقى البلد في مرحلة انتظار تنفيذ أحكام المادة 13 من قانون تنظيم قطاع الكهرباء، التي توجّب على الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء وضع نظام داخلي لها والأنظمة الإدارية وأنظمة العاملين فيها، وعلى أن يُقرّ هذا النظام بمصادقة وزيرَي الطاقة والمياه والمالية. ويقتضي ذلك اكتمال حضور أعضائها بمن فيهم الرئيس، والمباشرة بتحضير موازنتها الأولى، وإقرار ملاك خاص بهذا، وتأمين الاعتمادات اللازمة لتغطية كلفة تعويضات أعضائها.
وما يستدعي التسريع بانطلاق عمل الهيئة، هو أنّ مصير اتفاقية النفط العراقي، وتزويد لبنان بزيت الوقود، يبدو على وشك الإنتهاء أو التجميد، فيما كهرباء لبنان تراوغ في عدم تطبيق قرار رفع تعرفة مبيع الكهرباء، لناحية إعادة النظر في ضوء تراجع إسعار النفط من 110$ إلى ما بين 60 و65$، وتخفي حقيقة أوضاعها المالية والنتائج المالية الفعلية لتطبيق التعرفة الجديدة الصادرة أواخر العام 2022. هذا في وقت فتحت وزارة الطاقة فيه الحديث عن مباشرة العمل على تلزيم محطة غاز لدير عمار، بناءً على قانون الشراكة مع القطاع الخاص، وطلبت تعيين أعضاء اللجنة الخاصة للمشروع وفقاً لأحكام قانون الخصخصة.
ولأنّ معالجة أزمة الكهرباء، على رغم من كل الأفكار والخطط المطروحة، تبقى معلّقة على وقف الهدر على شبكة المؤسسة العاجزة عن حمايتها، فيُنتظَر من الهيئة إقرار اعتماد لا مركزية الإنتاج والتوزيع، عملاً بمقتضيات التنمية في إطار اللامركزية الموسّعة، وتفعيل قانون تمكين البلديات، فتتولّى هذه البلديات واتحاداتها في مختلف المناطق، تلزيم إنتاج وتوزيع الكهرباء ضمن نطاقها بالتعاون مع القطاع الخاص، وعلى أساس دفتر شروط موحّد تضعه الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء.
إنّ إعفاء موازنة الدولة ومؤسساتها، وكذلك تحرير المواطن، والإقتصاد بمختلف قطاعاته، من تسلّط كهرباء لبنان، التي تبرّر «تعسفّها» باستبداد أصحاب المولدات، باقٍ اليوم معلّقاً على اكتمال الأعمال التحضيرية لمباشرة الهيئة الناظمة أعمالها وانعقاد جلساتها، لتفصح عن توجّهاتها في إطار خطة لمعالجة أزمة الكهرباء وتحرير القطاع والحكومة من احتكار مغتصبيه.
الجميع بانتظار سماع طروحات جديدة من القيّمين على قطاع الكهرباء، تكون جديةً ومجدية، والإجابة عن الإسئلة الكثيرة المطروحة حول مستقبل هذا القطاع، وتأمين الكهرباء للمواطن والاقتصاد والمرافق الخدماتية وإدارات الدولة ومؤسساتها العامة المثقلة موازناتها بأعباء كهرباء المولدات. ولا يجوز بعد اليوم الإكتفاء بالإعلان عن اهتمام مشكور لسعادة سفير أو سمو أمير، بل يد التعاون لمساعدة في معالجة أزمة الكهرباء.
الهيئة الناظمة مدعوّة اليوم قبل الغد لـ«تُشمِّر عن ساعديها» وتباشر مهامها بهمّة، لإخراج البلد من دوّامة أزمة الكهرباء، ومستنقع فساد القطاع وعمولات تجارة المحروقات، ووقف النزف المالي الذي تسبَّب بانهيارَين ماليَّين، والانتقال بلبنان إلى طاقة نظيفة صديقة للبيئة، تكون آمنة ومستدامة بإدارة رشيدة وتعرفة أرخص.

theme::common.loader_icon