لنضع الفجوة الرقمية (Digital Divide) في نصابها؛ أي قيد التداول بداية وعلى العموم، نقول بأنّها وصول مادي غير متكافئ إلى التكنولوجيا الحديثة - بأمّها وأبيها على نحو غالب - وذلك بسبب عدم امتلاك أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية اللازمة. وزد على ذلك، عدم القدرة على الاتصال بشبكة الإنترنت، فضلاً عن الوصول إليها. وهذا يؤدّي واقعاً إلى خلخلة مداميك وأعمدة المساواة الرقمية أو انعدامها في أسوأ الأحوال والظروف، بين مجتمع وآخر أو بيئة اجتماعية وأخرى، ما يتمخّض عنه فروقات جوهرية وتباينات بارزة، بين مَن يملكون ومَن لا يملكون مفاتيح التكنولوجيا وأقفالها.
واعلم، أنّ عدم تكافؤ الفُرَص في النفاذ (Access) - وهذا مؤشر ذو خلفية تقنية صرف - الشامل إلى فضاءات التكنولوجيا، له تأثيرات كثيرة جمّة على طبيعة التغيُّر الاجتماعي- الثقافي في هذا البلد أو ذاك، ما يترك الفجوة الرقمية على حالها من الاتساع؛ طولاً وعرضاً. وحيال تلك التأثيرات، يبرز موقفان متعارضان ومتنازعان لأهل الدراية والاختصاص؛ أمّا الأول فيرى أنّ الخطر بارز بجلاء في التهميش الاجتماعي الذي تنتج منه عزلة اجتماعية وتالياً ثقافية، لدى الأفراد الذين لا حظ وافراً لديهم في النفاذ إلى الشبكة العنكبوتية. وعليه، تصبح عملية الإقصاء هذه، أكثر إيلاماً وأشد حرماناً، كلّما كان تسارع عالم التكنولوجيا في اطراد مستمر بلا توقف، بمعزل عن أولئك الذين هُمِّشوا واستُبعدوا. ومردّ ذلك يعود بالضرورة إلى ضعف أو غياب الوسائل والأدوات والمستلزمات ذات الصلة اللصيقة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، لأجل التسلُّل إلى حيث المخابئ القصية للمعلومات.
وأمّا الثاني، فيحمل نظرة تفاؤلية لكن مثالية يوتوبية (Utopian)، ذلك أنّ التوقعات إيجابية لناحية الاستفادة من التطبيقات التكنولوجية في القضاء على عناصر اللامساواة القائمة، متى تمّ تأمين الوسائط اللازمة للولوج بسهولة ويُسر إلى عالم التكنولوجيا الواسع الرحب. وإذا كان ذلك كذلك، أمكن تعزيز التفاهم المعرفي والتبادل الثقافي بين حيِّز جغرافي وآخر، ما يسهم في بناء مجتمع عالمي شديد الترابط والانسجام والوئام، ومن ثم إلغاء أو التقليل من التفاوتات الاجتماعية من خلال التوظيف الواعي والسياسات العادلة.
وعليه، يبدأ الحديث ههنا، عن تحسين جودة الحياة على المستويَين الفردي والمجتمعي، ونشر الوعي بقضايا العدالة الاجتماعية، كأن يصبح التراث الثقافي العالمي متاحاً للجميع، إذ يضمّ بين جنباته قِيَماً مشتركة وتصوّرات فردية متنوّعة ومروحة واسعة من الأنساق الثقافية الجديدة.
وللبيان والإيضاح، لا يكفي توفّر خدمات تكنولوجيا المعلومات المدعومة بشبكة حديثة من الاتصالات، حتى نقول بأنّ هذا البلد قد قفز بالفعل فوق عوائق الفجوة الرقمية. وإنما ينبغي امتلاك الأفراد ما يُعرف بالثقافة الرقمية (Digital Culture)، التي تُترجم بالقدرة على استخدام التكنولوجيا الرقمية، وكذا الإنترنت وما يدور في فلكه من تقنيات ونماذج تطبيقية، لكن بمقدار لا بأس به من التمكين والوعي الرقمي والمهارة المعرفية والسلوكية، ما يرفع من مستوى إنجاز الأعمال الضرورية وزيادة نسبة التفاعل الاجتماعي. هذا، ويمكن أن تندرج اللغة تحت عباءة الثقافة الرقمية، التي من الممكن أن تكون عائقاً أو حاجزاً صلباً أمام الوصول إلى المعلومات الرقمية، بسبب وجود محتوى ثقافي - مثالاً لا حصراً - غريب إلى حدٍّ ما عن لغة المستخدم وثقافته المحلية.
وعلى الجملة، فإنّ ظاهرة الاختلال الاتصالي بالفضاء التكنولوجي، منوطةٌ أو مرجعُها محيط الفرد الاجتماعي وإمكاناته التقنية ذات المحمول الاقتصادي والزاد الثقافي الذي يُشكّل مجمل سيرته الذاتية. وللحق، هذه ليست كل الحكاية! وعليه، يحسُن بنا استكمال قراءتها حيناً بعد حين، من غير أن نُغْفِل أيّاً من أحداثها ومشاهدها وشخوصها، إذ العقل البشري مندفع في تجلّياته وإشراقاته اندفاع السيل العَرِم.