كل الأنظار شاخصة إلى المفاوضات الأميركية - الإيرانية، فهي التي ستُحدِّد ليس فقط الوجهة التي ستسلكها المنطقة بل ربّما أيضاً الصورة المستقبلية لها. صحيح أنّ المواقف الأولية من واشنطن وطهران جاءت إيجابية عقب انتهاء الجولة التفاوضية الأولى، وأنّ الإعلان عن جولة ثانية يعزّز الإنطباع التفاؤلي، لكنّ الواقعية والتجارب السابقة والملفات الصعبة المطروحة للتفاوض، كلّها تُحتِّم التمهُّل في إصدار الأحكام المبكرة. فالدخول الجدّي إلى عمق النقاط الخلافية لم يبدأ بعد.
المعروف عن فنون التفاوض أنّ الجلسة الأولى بين بلدَين متحاربَين وخاضا مواجهة عسكرية منذ أشهر معدودة، تكون عادةً بمثابة إدارة للتوقعات أكثر منها لحسم البنود والملفات الخلافية. أو بمعنى آخر، فهي تكون لجسّ النبض وإجراء تقييم متبادل لأفق التفاوض والخلفيات الحقيقية للطرف المقابل. ولذلك، يسعى كل طرف لاستكشاف حقيقة نيات الطرف الآخر وسبر أغواره وتقييم حدود مرونته والخطوط الحمر التي رسمها. كما أنّه يُتجنَّب الدخول في التزامات عملية أو اتخاذ قرارات حاسمة. في المقابل، يُقدَّر ما مدى هامش التنازلات لدى الفريق الآخر، وذلك من خلال إجراء مقارنة سريعة مع ما حصل في الجولات التفاوضية السابقة، ولا سيما منها تلك التي سبقت الحرب الجوّية في حزيران الماضي. وهو ما يعني في اختصار أنّه كان منطقياً ومفهوماً اجتياز المرحلة الأولى من دون ظهور تعقيدات كبيرة. لكنّ الذهاب إلى المرحلة الثانية من المفترض أن يتطلّب الدخول إلى قرارات سياسية صعبة ومعقّدة، وهو ما سيجعل الهامش المتاح أضيَق، كونه يتطلّب إنزال الفريق الآخر عن المطالب القصوى التي كان أعلنها.
ومن هذا المنطلق، عمد كل فريق إلى إجراء استعراض قوّة للضغط على الفريق الآخر. فالحرس الثوري الإيراني كان قد كشف عشية إنطلاق المفاوضات عن صاروخ بالستي متطوّر من طراز «خرمشهر4»، في خطوة حملت رسالة واضحة ومفادها أنّ الإنخراط في التفاوض لن يعني التخلّي عن القدرات العسكرية والبرنامج الصاروخي الذي أثبت قدرته وفاعليّته خلال الحرب الجوية الأخيرة. كما توالت المواقف الإيرانية حول الإستعداد الكامل لمواجهة أي حرب تفرض على طهران.
في المقابل، فإنّ الجانب الأميركي عَمَد بداية، وعلى غير عادة، إلى ضمّ قائد «سينتكوم» الأميرال براد كوبر إلى المحادثات، وهو يرتدي بزّته العسكرية للدلالة إلى الحشد العسكري وحال الجهوزية لدى القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة. وفور انتهاء الجولة التفاوضية الأولى، انتقل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» المتمركزة في مقابل إيران، فجدّد ويتكوف شعار «السلام من خلال القوّة». مع الإشارة هنا إلى أنّ هذا الشعار كان قد أطلقه للمرّة الأولى الرئيس رونالد ريغان خلال ولايته الرئاسية، ورسم السلوك السياسي لإدارته وفقه. كذلك عمدت واشنطن إلى الإعلان عن تحريك حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب، ترافقها سفينتا إمداد وقطعتان بحريّتان تابعتان لخفر السواحل الأميركي. وأرفق ذلك بتحليق طائرات من الجناح الجوّي لحاملة الطائرات. ومفاد هذا الإستعراض، أنّ البحرية الأميركية جاهزة لأداء دورها في مسار «السلام من خلال القوّة». كما أُعلِن عن الزيارة السابعة لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لواشنطن منذ انتخاب ترامب لولاية رئاسية ثانية. ومعروف التوجّه العسكري الذي يريده نتنياهو للتعامل مع إيران.
ومن المتوقع أن يستخدم الطرفان أسلوب الوقوف على حافة الهاوية، لكن مع وجوب المحاذرة من احتمال انتقال ترامب فجأة إلى خانة المواجهة العسكرية، وهو ما جرى مع إيران نفسها. ما يعني أنّ اعتماد المناورة والوقوف عند حافة الهاوية قد يكونان لعبة محفوفة بالمخاطر. فإمكانية السقوط ممكنة بسبب الملفات المعقّدة والحساسة والخطيرة والمصيرية وطبيعة ترامب نفسه. أضف إلى ذلك، أنّ هذه المفاوضات تدور وسط أوضاع ضاغطة داخلياً لكلا الطرفَين. فترامب وإدارته الجمهورية يواجهان أزمات وفضائح داخلية تُهدِّد بخسارة الجمهوريِّين للإنتخابات النصفية. وخامنئي وتياره المحافظ يعانيان من معارضة داخلية واسعة واحتجاجات في الشارع قُمِعَت بالرصاص، ومن الممكن تجدُّدها كل لحظة.
يضع ترامب أمام خامنئي ملفات ثلاثة، وهي النووي بشقَّيه التخصيب والبرنامج، والقدرات الصاروخية والنفوذ الإقليمي. لذلك حاولت طهران اختبار جدّية النيّات الحربية الأميركية ومعرفة ما إذا كانت تسعى فعلاً للمواجهة العسكرية، أم أنّها تكتفي بالحشد العسكري كورقة ضغط لتعزيز موقفها التفاوضي. وقد تكون أعطت إشارات مرونة تجاه الملف النووي، لكنّ البرنامج الصاروخي أضحى بالنسبة إلى إسرائيل أكثر إلحاحاً من التهديد النووي، خصوصاً بعدما تلقّى ضربات قوية في حزيران الماضي فما عاد يُشكّل خطراً داهماً، بعكس القدرات الصاروخية التي أثبتت تطوّرها وخطورتها. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ إسرائيل لم تكشف أبداً عن كل الأضرار التي أحدثتها الضربات الصاروخية الإيرانية خلال المواجهة الجوية، على رغم من أنّها اعترفت بإصابة معهد وايزمان للعلوم ومصفاة حيفا، وقد كلّفا وحدهما مئات الملايين من الدولارات لإعادة إصلاحهما. كما أنّ أصحاب المنازل المتضرّرة كلياً أو جزئياً قدّموا طلبات تعويض تقارب المليار ونصف مليار دولار.
وفي وقت كرّر ترامب تحذيره لخامنئي بقوله: «يجب عليه أن يقلق»، في إطار الضغوط النفسية، عَمَد في المقابل إلى الإتصال بالرئيس الصيني شي جي بينغ، وهو ما فُسِّر بأنّه دعوة لبكين إلى ممارسة تأثير إيجابي على طهران. مع الإشارة هنا إلى أنّ الصين لم تتخذ سابقاً موقفاً صلباً وحازماً لمصلحة إيران، بل مواقف أقرب إلى رفع العتب الديبلوماسي، وذلك على رغم من العلاقات التي تربطهما. والمعروف أنّ أولوية بكين قد تكون في إبقاء تدفّق الخام الإيراني مفتوحاً إليها. كما قد يكون رهان ترامب بالتلويح بإبقاء التعرفة الجمركية منخفضة في حال التعاون، كما في خفض تسليح تايوان.
ومع انطلاق هذه المفاوضات، يجد لبنان نفسه في وسطها، وتحديداً من خلال الملف المتعلّق بنفوذ إيران الإقليمي، والصواريخ البالستية الموجودة في لبنان. ومن هذه الزاوية يزداد الضغط الحاصل على لبنان لإنجاز الحلول الذاتية. من هنا تركّز الإهتمام على الزيارة الرسمية الأولى لقائد الجيش العماد رودولف هيكل لواشنطن. لكن، وعلى رغم من «إجهاض» الموعد السابق للزيارة، فإنّ الزيارة (التي صودف تزامنها مع مفاوضات مسقط) حملت مفاجأة مدوّية كان بطلها السيناتور المثير للجدل ليندسي غراهام. فهو لم يكتفِ باستقبال العماد هيكل بثياب الرياضة، على رغم من الطابع الرسمي للإجتماع، ومن ثم قطعه بعد ثلاث دقائق من بدئه، لا بل إنّه كتب على منصة (X) «سأمه» من ازدواجية الخطاب في الشرق الأوسط. وعدا الإمتعاض اللبناني عن هذا التصرُّف المهين، إلّا أنّ السؤال الأبرز يبقى عمّا إذا كان ما حصل جاء من «عنديات» غراهام الشهير بسلوكه الحاد والمنحاز بشدّة لمصلحة إسرائيل، أم أنّ في الخلفية رسالة أميركية ما. بداية بدا واضحاً أنّ ما حصل كان قد دبّره السيناتور الأميركي وخطّط له سلفاً، بدليل لباسه الرياضي. وهو ما يعني أنّ ما حصل كان مكمناً أُعِدَّ له مسبقاً. وهذا السلوك جاء معاكساً لكل لقاءات الزيارة واجتماعاتها، وحيث أشيد بالجيش وسلوكه والمهمّات الملقاة على عاتقه، وخصوصاً من جانب المسؤولين العسكريِّين الأميركيِّين الكبار، ومع تأكيد المحافظة على الدعم العسكري القائم للجيش اللبناني. أضف إلى ذلك، أنّ توضيحات عدة قدّمها الجانب الأميركي، تمحورت كلّها حول السلوك المعروف لغراهام وانحيازه الأعمى لإسرائيل، وهو ما أدّى إلى اصطدامه أكثر من مرّة بإدارة ترامب نفسها.
ووفق هذه المعطيات، اعتبرت الأوساط اللبنانية المعنية، أنّ «قنبلة» غراهام لا تحمل أبعاداً أو رسائل مشفرة. لكنّ البعض المشكِّك قرأها بطريقة مختلفة. فهو رأى بمجمل الزيارة، تأكيد العلاقة المتينة بالجيش كمؤسسة عسكرية، وذلك توضيحاً للإلتباس الناجم عن إجهاض الموعد الأول للزيارة الرسمية لقائد الجيش لواشنطن. لكن ثمّة رسالة سياسية لا علاقة لها بالمؤسسة العسكرية وُجِّهت في المرّة الأولى عبر إجهاض الزيارة، وفي المرّة الثانية عبر غراهام نفسه، لكن بعد توضيح الصورة بالفصل بين المؤسسة العسكرية والمستوى السياسي. ووفق وجهة النظر هذه، إنّ غراهام ما كان ليذهب إلى هذا الحدّ، وأيضاً التحضير المسبق لمكمنه، لولا وجود على الأقل مناخ مؤاتٍ داخل إدارة ترامب. ويدعم هؤلاء وجهة نظرهم بالإشارة إلى الصورة التي نشرها غراهام على منصة (X) بعد يومَين من الحادثة، وجمعت بينه وبين ترامب في ملعب الغولف في مارالاغو. وكأنّ به يُريد إظهار مدى «تطابق» مواقفه مع مواقف الرئيس في هذه المرحلة بالذات. ويشير هؤلاء إلى البيان الذي صدر لاحقاً عن وزارة الخارجية الأميركية، وأشار إلى موضوع السلاح. ويرى أصحاب وجهة النظر هذه، أنّ من المنطقي والطبيعي أن تعمد القنوات الديبلوماسية المعنية لاحتواء ما حصل لاحقاً.
وما عزّز فرضية هؤلاء، السقف المرتفع الذي حمله معه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال زيارته لبيروت. فهو تحدّث بما يشبه التأنيب، أنّه ليس صائباً ولا حكيماً استهلاك كل هذا الوقت في المراوحة وإدارة الأزمة، بدل الشروع في حلول جدّية لملف السلاح، خصوصاً أنّ مستقبل لبنان على المحك. وأضاف، أنّ إنجاز هذا الملف واستكمال المرحلة الثانية شمال الليطاني له علاقة عضوية بتقديم الدعم للجيش، وهذه مسألة لا تحتاج إلى نقاش. وعلى رغم من أنّ الموقف الفرنسي كان في العادة أكثر مرونة من الموقف الأميركي، إلّا أنّ كلام بارو هنا جاء ليدحض النفي اللبناني لأي ربط بين المرحلة الثانية ودعم الجيش. لكنّ الأوساط اللبنانية المعنية وضعت كلام بارو في سياق توفير الأجواء لإنجاح مؤتمر دعم الجيش ورفع مستوى المشاركين والتقديمات المطلوبة، أكثر منه كسياسة فرنسية يتمّ تركيزها. أي أنّ باريس تريد من اعتمادها سقفاً مرتفعاً لخطابها، أن تمهّد الطريق أمام مشاركة أميركية وسعودية فاعلة ومميّزة، خصوصاً أنّ واشنطن والرياض تتمسكان بهذه العناوين.
وبعيداً من التفسيرات المتناقضة التي قد يختلط بعضها بالرغبات أكثر منه القراءة الموضوعية والصحيحة، إلّا أنّ ثمة توقعات متشائمة حيال مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية، وهو ما عبّر عنه مستشار الأمن القومي الأميركي السابق خلال ولاية ترامب الأولى جون بولتن، إذ لم يُعطِ نسبة نجاح أكثر من 5% فقط. كما أنّه أياً كانت نتيجة هذه المفاوضات، إلّا أنّه لم يُظهِر أي دليل على وجود نية إيرانية جدّية بالانسحاب من الساحة اللبنانية، لا بل ظهرت إشارات معاكسة. ومن هذه الزاوية يصبح الإنتظار اللبناني لمآل مفاوضات مسقط، إهداراً لما تبقّى في الرصيد اللبناني، أكثر منه استهلاك الوقت والرهان على مفاجآت «مفرحة».