عون يقرأ في كتاب سركيس: مواجهة التحدّي بموقف موحّد!
عون يقرأ في كتاب سركيس: مواجهة التحدّي بموقف موحّد!
جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة
Monday, 09-Feb-2026 06:55

ثمة تحدّيات تحاصر لبنان، وفي مقدّمها استمرار الغارات الإسرائيلية التي تفتك بالبشر والحجر، واحتلال المواقع الخمسة، والضغط على الحكومة من خلال إحداث وقائع تراكم الصعوبات والعراقيل أمامها، لاستدراج لبنان إلى مفاوضات تنتهي إلى معاهدة سلام لا يقوى على السير بها منفرداً في ظل واقع عربي مأزوم، ورفض الدولة العبرية «حل الدولتَين» الذي اقترحته المملكة العربية السعودية، ليُشكّل مدخلاً يُبرّر البدء في المفاوضات.

ما من رئيس لبناني يقبل بالذهاب إلى صلح مع إسرائيل، والذهاب إلى مفاوضات تنتهي باتفاق سلام، قبل أن يسبقه إلى هذا الخيار كل الدول العربية. إنّه آخر مَن يصعد إلى قطار التسوية الشاملة.
ويذكر الوزير ورئيس حزب الكتائب السابق المحامي كريم بقرادوني، في المقدّمة التي تصدّرت كتاب الصحافي اللبناني المعروف والمتضلع في القضايا العربية فؤاد مطر، الذي حمل عنوان: «أنياب الخليفة وأنامل الجنرال» الصادر عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون»: «كنتُ إلى جانب رئيس الجمهورية الياس سركيس ساعة كان يستمع إلى خطاب أنور السادات في الكنيست يوم 20 تشرين الثاني 1977، فاستغرب ما تراه عيناه وقال: لا أُصدِّق ما أراه. السادات يحوط به مناحيم بيغن، وموشي دايان، وعازار وايزمن، وغولدا مائير! يا له من حلم، يا له من كابوس. حتى الأمس كنتُ مستعداً أن أراهن على أنّ السادات لن يذهب إلى القدس، واليوم لا أُصدِّق عيني. هذا جنون. الله يسامحه ويساعده». وأكمل بقرادوني: «في هذه الأثناء، أطلع المرافق الرئيس سركيس على خبر عاجل، مفاده أنّ مناحيم بيغن وجّه نداءً إلى الرئيسَين اللبناني والسوري، يدعوهما للذهاب إلى إسرائيل. فعلّق الرئيس اللبناني على الفور: إذا ذهب جميع الرؤساء العرب من دون استثناء إلى إسرائيل، وإذا توصّلوا إليّ جميعاً لأذهب معهم، فعندئذٍ وعندئذٍ فقط، سأبدأ بالتفكير في هذا الأمر». ويُضيف بقرادوني: «توقف سركيس لحظة وأكمل، وهو يعني كل كلمة يقولها: خلافاً لتصوّرات البعض، إنّ لبنان لن يكون ثاني دولة عربية تعقد إتفاقاً مع إسرائيل بل الدولة الأخيرة».
انتهت ولاية الرئيس سركيس في أيلول 1982، وكانت إسرائيل قد اجتاحت لبنان في حزيران من ذاك العام، وانتُخِب الرئيس بشير الجميّل واغتيل بعد 21 يوماً على انتخابه، وخَلَفه شقيقه الرئيس أمين الجميّل الذي خاض مفاوضات شاقة انتهت بـ«اتفاق 17 أيار»، الذي أقدم الأخير وحكومته برئاسة شفيق الوزان على إلغائه، إثر تطوّرات داخلية أبرزها حرب الجبل، وانتفاضة السادس من شباط 1984. وبعيداً من السجال الذي دار في حينه حول هذا الاتفاق الذي كان لعقده، كما لإلغائه، تداعيات خطيرة على الوضع الداخلي حينذاك، يطول عرضها وشرحها. وبعيداً من المقارنات التي تجري حالياً بين مضمون هذا الاتفاق الذي طَوَته السنون والأحداث، فإنّ ثمّة حقيقة لا مفرّ من الإقرار بها، وهي أنّ لا حياة لأي اتفاق مصيري مع دولة تُعتبر دولة عدوّة، إذا لم يكن محصّناً بوحدة موقف داخلي، ويحظى بمظلة وطنية جامعة توفّرها جميع المكوّنات اللبنانية، تحوّطاً لأي انتكاسة قد تكون آثارها أشدّ وقعاً وأكثر سلبية من الحرب التي لم تتوقف على لبنان. لذا، فإنّ الرئيس جوزاف عون، الوافد من قيادة الجيش إلى رئاسة الجمهورية، معزّزاً بتأييد نيابي واسع من الكتل الرئيسة التي تمثل كل الاتجاهات والمكوّنات، ومؤازراً بتأييد شعبي، سيقرأ في كتاب سلفه الرئيس الياس سركيس الذي عانى كثيراً، وواجه ضغوطاً كبيرة، ولن يقبل بالإقدام على أي موقف لا يحظى بإجماع وطني، ويُعيد للبنان سيادته كاملة غير مشروطة بتنازلات تثلم هذه السيادة وتنال منها. خصوصاً أنّ إسرائيل تتنصّل من الإلتزام بتطبيق ما اتُفق عليه لجهة انسحابها من الأراضي التي احتلّتها في الجنوب، وإعادة الأسرى اللبنانيِّين القابعين في سجونها، وإنهاء غارات القتل والتدمير التي لم تتوقف منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، ورفض عودة النازحين إلى القرى والبلدات التي نزحوا منها، وذلك على رغم من إنهاء المرحلة الأولى من حصر السلاح بيَد الدولة التي تمّت فصولها بنجاح في منطقة جنوب نهر الليطاني، والإستعداد لبدء المرحلة الثانية في شماله.
كان الرئيس سركيس يرفض أن يكون لبنان الدولة العربية الثانية التي توقّع معاهدة مع إسرائيل تحت أي تسمية أو عنوان. واليوم هناك دول عربية عقدت معاهدات، فيما أقدمت أخرى على تطبيع شبه كامل أو جزئي، لكن ما يجري بين إسرائيل وسوريا الجارة الأقرب إلى لبنان وتربطها به حدود طويلة ومتداخلة تبلغ 375 كيلومتراً، يدعو إلى الترقّب والمتابعة. لأنّ دمشق كانت منذ العام 1948 الدولة الأشدّ ضراوة في رفض أي معاهدة مع الدولة العبرية إلى حين سقوط نظام بشار الأسد. وقد سبق للرئيس السوري السابق حافظ الأسد أن عقد قمّتَين في جنيف مع الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون في كانون الثاني 1994 و2000، ولم يتمّ التوصّل إلى نتيجة، علماً أنّ ما عُرِضَ في هاتَين القمّتَين أكثر بكثير ممّا هو معروض في المفاوضات التي جرت ويُتوقّع أن تجري بين الدولة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، وإسرائيل بنيامين نتنياهو الذي يطمح إلى إحاطة دولته بزنّار من الحدود المنزوعة السلاح، المنتقصة السيادة، واتفاقات تعزّز سيادته الإقليمية. مع الإشارة إلى أنّ الجبهة الإسرائيلية - السورية كانت الجبهة الأكثر استقراراً منذ العام 1974 إلى حين رحيل بشار الأسد وسقوط نظامه في العام 2024. وفي حال التأزّم بين الدولتَين، غالباً ما يكون لبنان ساحة لتبادل الرسائل بأشكال شتّى. من هنا يمكن القول إنّ لبنان في وضع لا يُحسَد عليه، وإنّ المسؤولين فيه بدءاً من رئيس الجمهورية، يواجهون تحدّيات خطيرة، لأنّ نتنياهو يعمل على تخييرهم بين الأمن والسيادة المنقوصة، ولبنان لا يمكن أن يقبل إلّا الأمن والسيادة الكاملة. كما يعمل على الربط بين الإعمار وعودة النازحين والقبول باتفاق مكتوب بالحبر الإسرائيلي ولا يراعي المصلحة الاستراتيجية للبنان.
لذلك، فإنّ هذه المرحلة بالغة الدقّة، وعلى مقدار عالٍ من التعقيد، وتقتضي مقاربة أكثر دقّة بعيداً من مباريات «الزجل» السياسي المحتدمة. فيما الأزمات المالية والإقتصادية والإجتماعية والسجالات الدائرة في شأنها علمية كانت أو شعبوية، والمرشحة للإتساع بسبب إقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي، تزيد المشهد إرباكاً.

theme::common.loader_icon