كيف تحمي نفسك من الإصابة بالسرطان؟
كيف تحمي نفسك من الإصابة بالسرطان؟
الدكتور فيليب سالم
Monday, 09-Feb-2026 06:41

سألني صديقي، وماذا ستكتب هذه السنة لمناسبة اليوم العالمي للسرطان؟ فسألته: ماذا تريد أن تعرف عن هذا المرض؟ فأجابني: أنا لا أود الحديث عن السرطان، ولكنني أود أن أعرف كيف أحمي نفسي من الإصابة به.
وهذا هو جوابي له.

إنّ المثل القائل «درهم وقاية خير من قنطار علاج» هو قمّة المعرفة. ولربما لا يصدّق كثير من الناس إذا قلنا إنّ المعرفة العلمية التي نمتلكها اليوم تخولنا الوقاية من الأمراض السرطانية بنسبة 75%. إنّ 30% من الأمراض السرطانية يسببها التدخين، و30% تسببها الالتهابات الجرثومية، و15% هي نتيجة أسباب أخرى. ونحن قادرون على التغلّب على كل هذه الأسباب، إذا تمكنا من صنع سياسات صحية حديثة ملائمة.
إنّ التدخين بكل أنواعه مضرّ جداً بالصحة، وليس هناك نوع منه لا يسبّب ضرراً. فإن كنت تدخن السيجارة التقليدية، أو السيجار، أو النرجيلة، أو التدخين الإلكتروني، فأنت تسبّب ضرراً كبيراً لصحتك. زد على ذلك التدخين السلبي بوجودك في أماكن يدخن فيها الناس من حواليك. ولذا يجب أن تتجنّب الحضور في هذه الأماكن. وفي التثقيف الصحي بالنسبة إلى التدخين، يجب التركيز على هؤلاء الذين لا يدخنون اليوم بدل التركيز على المدخنين. ومن الضروري جداً إدخال مناهج تربوية في المدارس الابتدائية للتثقيف الصحي، وبالأخص التثقيف عن أضرار التدخين. إنّ أهم سلاح نمتلكه ضدّ هذه العادة المميتة هو تثقيف الأولاد في الصغر. إنّ التدخين لا يسبب فقط الأمراض السرطانية، فهو ايضاً يسبب أمراضاً في القلب وأمراض الرئة وأمراضاً كثيرة أخرى.
والسبب الثاني هو الالتهابات الجرثومية التي قد تؤدي إلى الإصابة بالسرطان. كنت واحداً من أوائل الباحثين الذين وجدوا في السبعينات أنّ الالتهابات الجرثومية المتكرّرة التي تصيب الأمعاء إن لم تُعالج وهي في المراحل الأولى، قد تتطور إلى سرطانات عدة. وأهم ما اكتشفناه هو أنّ معالجة هذه الأمراض الجرثومية في مراحلها الأولى بواسطة المضادات الحيوية تقود إلى الشفاء منها، وبالتالي تقود إلى منع الإصابة بالسرطان.
وفي الثمانينات اكتشف الباحثون أنّ سرطان عنق الرحم عند المرأة تسببه الالتهابات المتكررة بواسطة فيروس من عائلة Herpes. وها قد نجح العلماء من بعدها في تطوير لقاح ضدّ هذه الالتهابات الجرثومية، وبالتالي أصبحنا قادرين على منع تطور هذه الالتهابات إلى السرطان.
لذا، يجب أن تكون هناك سياسة صحية واضحة في كل دول العالم، تؤمّن اللقاح لكل أنثى بين عمر 10 سنوات و30 سنة. هذا اللقاح اسمه HPV vaccine. وهو يمنع الإصابة بسرطان عنق الرحم بنسبة 85%. وكذلك سرطان الكبد. هذا النوع من السرطان يسببه في كثير من الأحيان الالتهاب الجرثومي بواسطة فيروس Hepatitis B. ونحن اليوم في متناولنا لقاح ضدّ هذا النوع من الالتهاب في الكبد. لذا يجب أخذ هذا اللقاح للحماية من هذا المرض. ونود أن نقول هنا، إنّ سرطان الكبد متفشٍ في شكل واسع في منطقة الخليج والسعودية. لذلك من الضروري وضع سياسات صارمة في هذه البلدان لتلقّي اللقاح. وكذلك بالنسبة إلى المعدة. لقد اكتشف طبيبان متخصصان في أمراض الجهاز الهضمي في جامعة سيدني في أستراليا، أنّ جرثومة H.Pylori التي توجد عادة في المعدة، إن لم يُعالج الالتهاب التي تسببه هذه الجرثومة قد يتطور هذا الالتهاب إلى سرطان في المعدة. كما أثبت هذان الباحثان، أنّ هذه الجرثومة قد تؤدي أيضاً إلى الإصابة بالقرحة الإمعائية. ونتيجة هذه الأبحاث، مُنحت جائزة نوبل في الطب سنة 2005 لهذين الطبيبين. وأكثر الأمراض تفشياً في مصر هو سرطان المثانة، هذا النوع من السرطان ينتج من الالتهابات المتكرّرة في المثانة التي تؤدي الى الإصابة بمرض Schistosomiasis. وتحدث هذه الالتهابات بسبب استعمال مياه نهر النيل. وللقضاء على هذا السرطان يجب أن يكون في مصر سياسة صحية، تفرض بمقدار كبير معالجة هذه الالتهابات في المثانة قبل أن تصبح مرضاً سرطانياً.
في النتيجة، إذا تمّ القضاء على مشكلة التدخين، وعالجنا الالتهابات الجرثومية في المراحل الأولى، نتمكن من منع الإصابة بالسرطان بنسبة 60%. أما بالنسبة إلى 15% من الأمراض الأخرى، فهناك أسباب متعددة للإصابة بالسرطان:
ـ السبب الأول، هو التعرّض للشمس وخصوصاً إلى الأشعة فوق البنفسجية، التي قد تؤدي إلى سرطان الجلد. وبالتالي يجب أن تكون هناك سياسات صحية صارمة في الدول التي يكثر فيها سرطان الجلد، للحماية من هذه الأشعة. وهنا لا بدّ من أن نتطرّق إلى العيادات المتخصصة بالعلاج بواسطة الأشعة فوق البنفسجية، لجعل البشرة أكثر سُمرةً. فيجب وضع ضوابط ومعايير جديدة لحماية هؤلاء الذين يتلقّون هذا العلاج، ويجب أن تكون هذه المراكز تحت مجهر المؤسسات الصحية دائماً.
ـ السبب الثاني، هو استهلاك الكحول بإفراط. فالكحول كثيراً ما تؤدي إلى سرطان الفم وسرطان المريء، كما أنّها سبب رئيسي لسرطان الكبد. إنّ قليلاً من الكحول قد ينعش الإنسان، ولكن الكثير منه قد يقتله. وتزداد الإصابة بالسرطان بنسبة كبيرة إذا اجتمع عاملان: استهلاك الكحول والتدخين معاً.
ـ السبب الثالث هو السمنة. هناك علاقة أكيدة بين السمنة والسرطان، وبالتالي يجب أن يحافظ المرء على وزن معين. وهنا لدينا نصائح عدة:
أولاً الطعام. يجب التقليل من كمية الطعام التي يستهلكها المرء، ويجب الإكثار من الوقت الذي يمضيه في الرياضة البدنية. فالرياضة هي عامل مهمّ، ليس فقط للحفاظ على الصحة الجسدية، بل أيضاً للحفاظ على الصحة العقلية. وثانياً، نحن ننصح بالابتعاد عن استهلاك الأطعمة المصنّعة والمعلبة. فهناك شك كبير في أنّ المواد التي تُستعمل في هذه الأطعمة هي سبب مهمّ في انتشار السرطان وازدياد الإصابة به. ويجب العودة إلى الطعام الطبيعي الذي يخلو من الكيماويات.
وثالثا، هناك إشاعة تقول إنّ السكر قد يسبب السرطان. هذه الإشاعة لا يدعمها العلم.
والسبب الرابع، هو التعرّض المكثف للتلوث بمادة الـ Asbestos التي تُستعمل في بناء المنازل. ونصيحتي هي، قبل أن تسكن في بيت يجب أن تتأكّد أنّ هذا البيت لا يحتوي على كمية كبيرة من مادة Asbestos. ويجب التشديد على أنّ التدخين مع التعرّض إلى Asbestos يسببان سرطان غطاء الرئتين وما يُسمّى Mesothelioma بنسبة عالية.
وفي مسألة الوقاية، يجب ألّا ننسى دور الفحص الدوري أو ما يُسمّى بـ check up. ففي رأيي أنّ أهم هدية يمكن أن يقدّمها الإنسان إلى نفسه هي حماية صحته والوقاية من الأمراض، وبالتالي يجب أن يخصص كل واحد منا يوماً واحداً في السنة لزيارة الطبيب. هذه الزيارة قد توفر عليك مشكلات صحية كثيرة. وما يثير عجبي، هو كيف أنّ الناس تهتم بأمور كثيرة ولا تهتم بأهم ما لديها وهو الصحة. على المرء أن يحترم جسده قبل أن يحترم أي شيء آخر.
نعود ونقول، إن أهم حق للإنسان هو الحق في الحياة. وهذا الحق يمرّ بالحق في الصحة. وخصوصاً أود أن أقول وأشدّد، إن أهم حق للإنسان على الإطلاق هو الحق في الوقاية من الأمراض. آلاف من البشر يموتون كل يوم لأنّ دولهم لا تحترم الإنسان ولا تحترم حقه في الحياة. لذلك طالبنا وسنطالب دائماً بتحديث شرعة حقوق الإنسان لجعل حق الإنسان في الحياة، الحق الأول والمقدّس للإنسان. ليس هناك عيب على أمّة أكبر من العيب أن يموت إنسان فيها لعدم توافر الوقاية أو توافر المال للعلاج.
مباركٌ الذي أعطى الحياة، ومباركٌ من يحترمها.

*كُتب هذا المقال لمناسبة «اليوم العالمي للسرطان»

theme::common.loader_icon