مانشيت: الوضع الاجتماعي يتفجّر بانهيار الأبنية... وجولة سلام الجنوبية نتاج تقارب داخلي
مانشيت: الوضع الاجتماعي يتفجّر بانهيار الأبنية... وجولة سلام الجنوبية نتاج تقارب داخلي
Monday, 09-Feb-2026 06:34

فيما غابت الأحداث السياسية البارزة خلال عطلة نهاية الاسبوع التي أمضاها رئيس الحكومة نواف سلام بجولة ليومين في الجنوب، تصدّر الوضع الاجتماعي المشهد بقوة فجأة أمس، مع انهيار مبنى جديد على رؤوس ساكنيه في محلة باب التبانة في طرابلس، ويطلق موجة عارمة من السخط والاستنكار، لعجز السلطة عن اتخاذ الإجراءات العاجلة، لمنع تكرار هذه المآسي التي تضرب عاصمة الشمال من حين إلى آخر.

بينما كان رئيس الحكومة يجول في الجنوب، خطف الشمال الأضواء وتحديداً مدينة طرابلس، حيث سقط مبنى آخر في محلة باب التبانة على ساكنيه بعد مرور نحو أسبوعين على سقوط مبنى آخر في محلة القبة.
وإزاء تكرار حوادث انهيار المباني في عاصمة الشمال، بدا انّ هناك حاجة ملحّة لإعلان حالة الطوارئ في طرابلس، التي تكاد تصبح مدينة منكوبة تحت تأثير النكبات المتلاحقة، ما يتطلّب تغييراً جذرياً في نمط التعاطي الرسمي معها، بعيداً من نوبات العواطف المستهلكة التي لا تسمن ولا تغني من جوع او انهيار.
وإذا كان السياسيون قد أفاضوا في الاستنكار فوق أنقاض المبنى المنهار في التبانة، مطالبين الدولة بتحمّل مسؤولياتها، فإنّ الطرابلسيين ملّوا التصريحات الممجوجة والاستفاقات الموسمية عليهم تحت وطأة الصدمات، وباتوا يحتاجون إلى معالجات سريعة وجذرية لمشكلاتهم التي لا تشكّل الأبنية الآيلة إلى السقوط سوى إحداها. وقد ترك انهيار مبنى التبانة وقعاً مدوّياً، ليس فقط بسبب عدد الضحايا، وإنما لكونه حصل بعد فترة قصيرة من سقوط مبنى القبة، ما يوحي بأنّ الدولة لم تتعلّم من الدرس القاسي الأول، ولم تتخذ الإجراءات الكافية لتفادي تكرار المأساة، ما فاقم أزمة الثقة بينها وبين أبناء المدينة الذين يشعرون بأنّ أهل السلطة والسياسة تخلّوا عنهم منذ عقود، ولا يتذكروهم سوى عند الانتخابات والنكبات.
وقالت مصادر سياسية لـ«الجمهورية»، انّ ما يجري في طرابلس «ليس فقط انهياراً لأبنية متداعية، وإنما هو انهيار لدور الدولة وصدقيتها، ولو كنا في دولة طبيعية تعتمد المساءلة والمحاسبة لكان يتوجب سقوط وزراء وحكومات على وقع تدحرج الأبنية المتهالكة في طرابلس كحجارة الدومينو».
وأضافت المصادر، انّ «المهمّ الآن، أن يستدرك المسؤولون المعنيون الوضع، وأن يتخذوا التدابير الاستباقية لتجنّب الأسوأ، لأنّ الآتي قد يكون أعظم وأفظع، مع وجود عدد كبير من الأبنية المهدّدة بالانهيار في طرابلس، الأمر الذي يستدعي حلولاً فورية تختصر الوقت والكلفة، وتتجاوز الأطر الكلاسيكية والنمطية التي لم تعد تنفع في مواجهة المخاطر الداهمة».

تتبع رئاسي
وكان رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون تتبع ووزير الداخلية والبلديات العميد احمد الحجار، مجريات انهيار مبنى باب التبانة في طرابلس، وتلقّى تباعاً التقارير عن عملية رفع الأنقاض وإنقاذ سكان المبنى. وطلب من الأجهزة الإسعافية كافة الاستنفار للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وتأمين الإيواء لسكان المبنى، والمباني المجاورة التي أُخليت تحسباً لأي طارئ.
وأعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري «التضامن والمؤازرة مع أبناء مدينة طرابلس الفيحاء في مواجهة الحرمان». وقال: «إننا في هذه اللحظات التي تتهاوى فيها الأبنية الآيلة للسقوط جراء الحرمان والإهمال الواحدة تلو الأخرى من القبة إلى باب التبانة، ندعو كافة السلطات والوزارات المعنية إلى اعتبار ملف ترميم وتدعيم الأبنية الآيلة إلى السقوط في طرابلس قضية وطنية بامتياز، فلم يعد جائزاً التلكؤ في معالجتها تحت أي ظرف من الظروف على الإطلاق لجهة التدعيم والترميم وتأمين الإيواء والتعويض للعائلات المتضررة بأقصى سرعة». ودعا بري الدفاع المدني في كشافة الرسالة الإسلامية إلى وضع كل إمكاناته التطوعية والإغاثية بتصرف أبناء طرابلس، لا سيما المتضررّين منهم والذين فقدوا منازلهم والمساهمة في اعمال الاغاثة.

سلام
بدوره، رئيس الحكومة ​نواف سلام​ أوعز إلى الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة العميد ​بسام نابلسي​ تنسيق جهود الإغاثة بعد انهيار مبنى في منطقة التبانة. وقال في بيان «انّ الحكومة على كامل الجهوزية لتقديم بدلات الإيواء لكل سكان المباني المطلوب إخلائها، وكذلك توفير الأموال الضرورية للمباشرة بتدعيم الأبنية المطلوب تدعيمها فوراً، وفق ما تمّ الاتفاق عليه في الاجتماع الذي عقدناه في السراي الكبير لهذه الغاية منذ أسبوعين. اما هوية هذه الأبنية وعددها ودرجة الخطر الذي تشكّله على شاغليها، فهذا أمر تحدّده بالدرجة الأولى السلطات المحلية». وأضاف: «أهيب بكل العاملين في السياسة، في طرابلس او خارجها، أن يترفعوا عن محاولات توظيف هذه الكارثة المروعة لجني مكاسب سياسية رخيصة وآنية. فهذا أمر معيب. وانا وحكومتي لم ولن نتهرّب من المسؤولية، وسوف نستمر بالقيام بواجباتنا كاملة بما فيها محاسبة من قد يكون مقصّراً في هذه القضية».

لا مجلس وزراء
وفي غضون ذلك، وفيما لم تُسجّل أي وقائع سياسية جديدة في نهاية هذا الأسبوع، وفيما الأسبوع الطالع يبدو انّه لن يشهد انعقاد جلسة لمجلس الوزراء بسبب سفر رئيس الحكومة الأربعاء إلى ميونيخ.
وكان اللافت أنّ مناخات الداخل اللبناني بدت أكثر إيجابية بعد زيارة رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد لقصر بعبدا. وقد أبدى الرئيس عون استعداداً للتعاطي المرن مع ملف السلاح في شمال الليطاني، أي بشكل تدريجي. وبديهي أن يكون «حزب الله» مرتاحاً إلى الموقف الجريء لقائد الجيش خلال لقائه السيناتور ليندسي غراهام في واشنطن.
وقالت أوساط سياسية لـ«الجمهورية»، إنّ هناك دوراً أساسياً لرئيس مجلس النواب نبيه بري في تحقيق هذه المناخات. وقرأت هذه الأوساط في زيارة سلام للجنوب بأنّها ثمرة التقارب في أجواء الداخل. لكن وعد سلام بانطلاق عجلة الإعمار خلال الأسابيع القليلة المقبلة يبقى رهن التحدّي. فهل ستسمح إسرائيل بإعادة الإعمار وعودة الدولة إلى جنوب الليطاني؟

جولة الجنوب
وكان سلام أنهى جولته التي استمرت يومين في الجنوب، بافتتاح السوق التجارية البديلة في النبطية. وأكّد من هناك أنّ «إعادة السوق فيها مسألة حياة تعني الجنوب كلّه وتعيد الحركة التجاريّة». وقال: «زرت سوق النبطية منذ سنة، ويسعدني اليوم أنّ المشهد تغيّر إذ أزيلت الردميات واستعادت النبطية جزءاً من عافيتها الإقتصادية. واليوم نجتمع لإطلاق هذا السوق الموقت النموذجي».
وقد بدأ سلام اليوم الثاني والأخير من جولته من بلدة كفركلا الحدودية، حيث احتشد الأهالي لاستقباله، وأكّد لهم «أنّ الزيارة هي للتأكيد أنّ الدولة بكامل أجهزتها إلى جانب القرى الحدودية المنكوبة». وقال: «وضع كفركلا يُعدّ الأصعب مقارنة بغيرها، نتيجة الانتهاكات اليومية المستمرة وقربها من الحدود»، مشدّداً على أنّه «لا عودة مستدامة من دون إعادة تأهيل البنى التحتية، التي ستبدأ خلال الأسابيع المقبلة»، مؤكّدًا أنّ الحكومة ستواصل السعي لإلزام إسرائيل بما وقّعت عليه، «وهذا لا يعني الانتظار حتى الانسحاب من كامل الأراضي، وسنعمل على إعادة تنظيم وضع المدينة وإعادة تأهيل البنى التحتية، أما عملية إعادة تأهيل الطرقات ومد شبكة اتصالات فستبدأ في الأسابيع المقبلة».
بدوره، النائب علي حسن خليل اكّد خلال استقباله سلام، أنّ «عودة أهالي البلدة لا يمكن أن تتحقق، لأنّها سُوّيت أرضًا ولا تزال تتعرّض للعدوان الإسرائيلي». وقال: «العدو يعتدي من تلة الحمامص التي هي قربكم حضرة رئيس الحكومة على أهالي المنطقة، وهذا من أكبر التحدّيات أمام الحكومة وجميع اللبنانيين».
وبعد كفركلا، توجّه سلام إلى مرجعيون. وأكّد فيها أنّ «الدولة غابت طويلًا عن الجنوب، ولكن اليوم الجيش انتشر ونريده أن يبقى على قدر مسؤولياته، ونحيّي دوره»، لافتاً إلى أنّ «الدولة لا تقتصر على الجيش إنما على القانون والمؤسسات والحماية الاجتماعية والخدمات لمواطنيها»، مشيراً إلى أنّ «مجلس الجنوب جزء أساسي من الدولة». وأكّد من سراي مرجعيون أنّ «العمل سيشمل تأهيل الطرقات وتأمين عدد من محولات الكهرباء وشبكات المياه في مرجعيون»، موضحاً أنّ هذه الأعمال لن تستغرق أشهراً. وأضاف: «نعمل على مسارات متكاملة، هناك مسار استمرار الإغاثة اي استمرار الإيواء وإعادة الاعمار التي ستبدأ من البنى التحتية، المهمّ التأكيد على جدّية عودة الدولة».
وشملت جولة سلام تباعاً، كفرشوبا، التي وصفها بأنّها «عنوان الصمود»، فمقرّ اتحاد بلديات الحاصباني، وأكّد هناك أنّ «الدولة اليوم حاضرة في حاصبيا والجنوب، وأنّ المرحلة المقبلة ستُعطى فيها الأولوية للإنماء المتوازن، بما يلبّي حاجات المناطق المحرومة ويعزّز صمود أهلها».

نقطة الإرتكاز
سياسياً وديبلوماسياً، قدّرت مصادر ديبلوماسية عبر «الجمهورية»، أن نقطة الارتكاز هذا الأسبوع، ستبقى واشنطن، ترقباً للقاء رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الرئيس الاميركي دونالد ترامب الأربعاء المقبل في البيت الابيض.
ولاحظت هذه المصادر «انّ هذا اللقاء بين ترامب ونتنياهو يأتي بعد أيام قليلة على زيارة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، وما واكبها من تكهنات النتائج. لكن المؤكّد هو أنّ إدارة ترامب أبلغت إلى هيكل وجهة نظرها في ما يتعلق بتنفيذ خطة حصر السلاح، بمرحلتها الثانية شمال الليطاني». وقالت انّ «المأزق سيكون في المناخ الذي سيحاول نتنياهو تعميمه، أي مناخ الحرب سواء بالنسبة إلى إيران أو لبنان، إذ ربما يطلب ضوءاً أخضر من واشنطن لتوسيع الحرب، إذا لم تستجب الحكومة اللبنانية للشروط التي يحاول إملاءها».
ويفترض أن يشهد هذا الأسبوع، جولة ثانية من المفاوضات الأميركية - الإيرانية في مسقط. وقد التقت واشنطن وطهران على وصف الجولة الأولى التى عـُقدت الجمعة بأنّها كانت إيجابية. لكن العدو الإسرائيلي حرص على اعتماد لغة التحريض والتشويش. وسيطير بنيامين نتنياهو بهذه اللغة إلى الولايات المتحدة، حيث يعقد سابع قمة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الأربعاء المقبل.

theme::common.loader_icon