هل يُولد «لبنان الثالث» من رحم التفاوض الكبير؟
هل يُولد «لبنان الثالث» من رحم التفاوض الكبير؟
جورج سولاج
 
Saturday, 07-Feb-2026 07:04

في الوقت الذي تنشغل فيه المنطقة بقرع طبول الحرب، ثمّة صمتٌ بليغ يسكن غرف مسقط المغلقة. انتقال الزخم التفاوضي بين واشنطن وطهران إلى سلطنة عُمان ليس مجرّد «تغيير في الديكور» الجغرافي، بل هو إعلان عن بلوغ اللحظة الحرجة؛ اللحظة التي يدرك فيها الجميع أنّ «الستاتيكو» القديم قد دُفن تحت أنقاض التحوّلات الدراماتيكية في الشرق الأوسط، وأنّنا نواجه صياغة «عقد أمني» إقليمي جديد، لا مكان فيه للغموض البنّاء.
إنّ «دبلوماسية مسقط» في شباط 2026 لا تبحث عن مجرّد اتفاق تقني حول أجهزة الطرد المركزي، بل هي محاولة لترسيم حدود النفوذ بعد الزلزال الذي ضرب العمق السوري، وشبكات النفوذ الإيراني، وإيران نفسها إلى حدٍّ ما، وأعاد تموضع القوى في المنطقة. طهران، المثقلة بأعباء الداخل وتراجع «أوراق القوة» في عواصم الجوار، تبحث عن طوق نجاة اقتصادي. وفي المقابل، ترفع واشنطن سقف المقايضة: لا انفراج مالياً بلا تقليص جذري لشبكات النفوذ الإقليمي. هذا الربط العضوي يجعل من ملف «السلاح العابر للحدود» الطبق الرئيسي على مائدة مسقط، وهو ما يضع لبنان مباشرة في عين العاصفة التفاوضية.

هنا، نصل إلى لبّ القضية اللبنانية. لم يعُد لبنان بالنسبة للمجتمع الدولي «محمية» يُراد إنقاذها من الانهيار لمجرّد الحفاظ على توازنات هشة. لقد تغيّرت قواعد اللعبة؛ فالمؤسسات اللبنانية، بما فيها العسكرية والمالية، باتت اليوم تحت مجهر الاختبار الوجودي. الرسالة الدولية التي تصلنا عبر القنوات الدبلوماسية واضحة وحادّة: زمن «ازدواجية السلطة» قد انتهى، والمساعدات الأمنية والاستثمارات الخليجية الموعودة ليست على بياض، بل هي مكافأة مشروطة بمدى قدرة الدولة على بسط سيادتها الكاملة، وتفكيك البنى العسكرية غير الرسمية، ليس فقط جنوب الليطاني، بل في كل شبر من الجغرافيا اللبنانية.

إنّ الربط بين «النووي» و«الجغرافيا السياسية» في مفاوضات مسقط، يعني ببساطة أنّ لبنان لم يعُد «ساحة مساندة» بل أصبح «مختبر إثبات نوايا». وتراجع النفوذ الإيراني في دمشق ولبنان والمنطقة لم يترك فراغاً عابراً، بل فتح الباب أمام فرض واقع مؤسساتي جديد لا يرحم المتردّدين. فبينما يطمح لبنان إلى تعافٍ اقتصادي خجول، يبقى هذا الهدف معلّقاً على حبال الاستقرار الحدودي والسياسي. فلا إعمار بلا قرار واحد للسلم والحرب، ولا استثمار في ظل دولة «متعدّدة الرؤوس».

نحن اليوم أمام مفترق تاريخي. سياسة «تقطيع الوقت» و«مسك العصا بالوسط» التي أدمنت عليها النخبة اللبنانية لسنوات، اصطدمت بجدار الضغط الأقصى في زمن التحوّلات الكبرى والنظام الإقليمي الجديد. إنّ التفاهمات الكبرى التي تُطبخ في مسقط قد تفتح لنا باب الاستقرار الطويل، لكنّها قد تفتح أيضاً باب «تسويات قاسية» تتمّ على حساب مَن يفشل في حجز مقعد له على طاولة الترتيبات الجديدة.

على الدولة اللبنانية أن تدرك أنّ الهامش يضيق. الرهان اليوم ليس على انتظار ما سيسفر عنه دخان مسقط الأبيض، بل في المبادرة إلى تثبيت «شرعية الدولة» كحقيقة ناجزة لا كحلم مؤجّل. ففي نظام إقليمي جديد يُرسم بالنقاط لا بالضربة القاضية، وحدهم الأقوياء بمؤسساتهم يحجزون مكاناً ودوراً لبلادهم، أمّا «الساحات» فمصيرها المقايضة في سوق الكبار.

theme::common.loader_icon