واشنطن وطهران: الاتفاق أو الحرب على طاولة الاحتمالات
واشنطن وطهران: الاتفاق أو الحرب على طاولة الاحتمالات
طارق ترشيشي
Friday, 06-Feb-2026 07:26

تتّجه الأنظار إلى مسقط حيث ستدور مفاوضات غير مباشرة بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وسط ضجيج سياسي وإعلامي يعكس حجم الرهانات المرتبطة بها، ليس فقط على مستوى العلاقة الثنائية، بل على مستوى الإقليم برمّته، وفي مقدمته لبنان.

هذه المفاوضات، التي تُدار بعيدًا من الأضواء، سبقتها «حرب تسريبات متبادلة»، تعكس عمق انعدام الثقة بين الطرفين. فالإدارة الأميركية تسرّب أنّ طهران هي التي تسعى إلى التفاوض، مدفوعة بأزمة داخلية خانقة، سياسياً واقتصادياً، وبضغوط اجتماعية متزايدة نتيجة العقوبات وتراجع قيمة العملة وتآكل القدرة المعيشية. ووفق الرواية الأميركية، فإنّ إيران تريد اتفاقاً يخفّف عنها الضغوط ويمنحها متنفساً داخلياً.

 

في المقابل، يردّ الإيرانيون بتسريبات معاكسة، مفادها أنّ «واشنطن هي الطرف الأكثر حاجة إلى التفاوض»، ليس بدافع الحرص على الاستقرار، بل خوفاً على مصالحها في المنطقة، في ظل احتمال انزلاق الأمور نحو حرب شاملة لا يمكن ضبط نتائجها. وتضيف المصادر الإيرانية، أنّ إدارة الرئيس دونالد ترامب تعاني بدورها من أزمات داخلية وضغوط سياسية، وتدرك أنّ أي مواجهة عسكرية واسعة مع إيران ستكون مكلفة، وغير مضمونة النتائج.

 

وفي قلب هذا المشهد تقف إسرائيل، التي تنظر إلى المفاوضات بعين الريبة والرفض. فتل أبيب لا تخفي موقفها المتشدّد من أي اتفاق مع إيران، وتعتبر أنّ طهران تمثّل «تهديداً وجودياً مباشراً» لها، خصوصاً في ما يتصل ببرنامجها النووي.

 

وعلى رغم من تأكيد إيران المتكرّر أنّ برنامجها النووي ذو طابع سلمي، تصرّ إسرائيل، مدعومة بموقف أميركي تقليدي، على اعتباره برنامجاً ذا أبعاد عسكرية، وترى أنّ أي اتفاق لا يؤدي إلى تفكيكه كلياً يشكّل خطراً استراتيجياً عليها. ومن هنا، تمارس إسرائيل ضغوطاً متواصلة على واشنطن لدفعها نحو الخيار العسكري بدل التسوية، معتبرةً أنّ الوقت يعمل لمصلحة إيران.

 

وهذه الضغوط الإسرائيلية تضع إدارة ترامب في موقع بالغ الحساسية، بين خيار التفاوض الذي قد يخفف التوتر لكنه يثير غضب تل أبيب، وخيار الحرب الذي يرضي إسرائيل لكنه يهدّد بإشعال المنطقة بكاملها.

 

وإلى جانب الأطراف المباشرة في مفاوضات مسقط، تقف دول المنطقة في موقع المراقب القَلِق، إذ تدرك أنّ أي نتيجة، سلبية كانت أم إيجابية، ستنعكس عليها مباشرة. فمعظم دول الشرق الأوسط باتت تنظر إلى التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران من زاوية الكلفة، لا من زاوية المكاسب، بعدما خبرت لسنوات طويلة تداعيات النزاعات المفتوحة.

 

دول الخليج العربي، التي كانت في مراحل سابقة في طليعة الداعين إلى تشديد الضغوط على إيران، تبدو اليوم أكثر ميلاً إلى التهدئة وتفادي المواجهة. فهذه الدول تخشى أن تتحول أراضيها وبناها التحتية الحيوية، ولا سيما منها النفطية، ساحات استهداف في أي حرب إقليمية. لذلك، تنظر إلى المفاوضات الجارية في اعتبارها فرصة لتثبيت حدّ أدنى من الاستقرار، حتى لو جاءت بنتائج غير مثالية.

 

وفي المقابل، تعتمد دول أخرى في الإقليم مقاربة أكثر حذراً، إذ ترى أنّ الاتفاق، إذا حصل، يجب أن لا يكون على حساب توازنات المنطقة أو أمنها القومي. ومع ذلك، فإنّ هذه الدول تفضّل مسار التفاوض على سيناريو الحرب المفتوحة، لما تحمله الأخيرة من مخاطر انهيار أمني واقتصادي واسع النطاق.

 

أما الدول المنخرطة مباشرة في ساحات التوتر، مثل العراق وسوريا ولبنان، فهي الأكثر قلقاً من فشل المفاوضات. فهذه الدول تعيش أصلاً أوضاعاً هشة، وأي تصعيد إضافي قد يدفعها إلى حافة الانفجار. من هنا، يبرز موقف غير معلن لكنه واضح في الخطاب السياسي العام، يقوم على الدعوة إلى خفض التصعيد، ومنع تحويل أراضيها ساحات تصفية حسابات.

 

وفي هذا السياق، تتعامل دول المنطقة مع التهديدات المتبادلة على أنّها أدوات ضغط تفاوضي أكثر منها نيات حقيقية للحرب، لكنها في الوقت نفسه تدرك أنّ خطأ في الحسابات، أو ضغطاً إسرائيلياً إضافياً، قد يقلب المشهد رأساً على عقب. لذلك، تسود حالة ترقّب حذر، عنوانها انتظار ما ستؤول إليه مفاوضات الدوحة، باعتبارها مفصلًا قد يحدّد مسار المنطقة بين تهدئة قابلة للاستمرار، أو انزلاق خطير نحو مواجهة شاملة.

 

وبين احتمالي الاتفاق والفشل في مفاوضات مسقط، سيكون للمنطقة ولبنان أحد سيناريوهين:

 

ـ السيناريو الأول، يتمثل في التوصل إلى اتفاق، ولو مرحلي أو محدود. في هذه الحال، من المتوقع أن تنعكس أجواء التهدئة نسبياً على المنطقة، مع تراجع منسوب التصعيد، وفتح نافذة لاستقرار هش. وبالنسبة إلى لبنان، قد يساهم الاتفاق في خفض الضغوط العسكرية والأمنية عليه، خصوصاً على الجبهة الجنوبية، ويمنح لبنان هامشاً أوسع لمعالجة أزماته الداخلية، ولو ضمن شروط قاسية.

ـ أما السيناريو الثاني، وهو فشل المفاوضات أو انهيارها تحت وطأة الضغوط الإسرائيلية، الأمر الذي يفتح الباب أمام مرحلة شديدة الخطورة. فالتصعيد قد يبدأ بضربات محدودة، لكنه مرشح للتدحرج نحو مواجهة إقليمية واسعة، لن يكون لبنان في منأى عنها، بحكم موقعه ودوره وتشابك ساحاته. في هذه الحال، سيدفع لبنان ثمناً مضاعفاً، أمنياً واقتصادياً، في وقت يعاني أصلاً من هشاشة غير مسبوقة.

 

في أي حال، فإنّ ما سيجري في مسقط ليس مجرد تفاوض تقني حول النووي أو العقوبات، بل هو نزاع إرادات وروايات، بين قوى تدرك أنّ كلفة الحرب عالية، لكن كلفة التراجع السياسي عالية أيضاً. وبين واشنطن وطهران، تقف إسرائيل لاعباً ضاغطاً يسعى إلى قلب الطاولة، فيما تقف دول المنطقة، ولبنان في طليعتها، أمام اختبار قاسٍ: إما هدنة موقتة تُدار بحذر، أو انفجار كبير لا يملك أحد القدرة على التحكّم بمساره.

theme::common.loader_icon