أين هو حاكم مصرف لبنان؟ وأين الولايات المتحدة؟
أين هو حاكم مصرف لبنان؟ وأين الولايات المتحدة؟
د.جوزيف ديب
Friday, 06-Feb-2026 07:07

في 9 كانون الثاني الفائت كتبتُ مقالاً بعنوان «فعلها سعيد وتكلّم عن المحظور... لا فجوة بل دَين دولة من أموال المودعين». بهذه العبارة يبدأ كل شيء وبها يجب أن يُقاس كل شيء، لأنّها ليست جملة تُقال ثم تُنسى، بل معيار يفضح قاموساً كاملاً جرى عبره تدجين الناس منذ 17 تشرين الأول 2019. يوم صار «دَين دولة» يُعاد تسمِيته بـ»الفجوة» لتشتيت المسؤولية عبر كلمة واحدة اسمها الفجوة، ودفن عبارة «دَين دولة» من أموال المودعين. ثم طُلب من الناس أن يتصرّفوا مع الجريمة كأنّها قدر مالي لا قرار سياسي ومالي لتعويم المسؤولية. لأنّني رأيت أنّ الأخطر في لبنان هو لحظة تصبح فيها اللغة أداة لإعفاء المدين وإرهاق الضحية، ولتثبيت فكرة واحدة في الوعي العام، مفادها أنّ ما ضاع قد ضاع، وأنّ المطلوب من الناس أن يعتادوا الخسارة قبل أن يناقشوا سببها.

واليوم أكتب لأنّ الامتحان ظهر، لا كخبر عابر بل كتزامن كاشف. انتهت مهلة 4 شباط التي طلب فيها كريم سعيد من المصارف التجارية أن تزوّد مصرف لبنان بحزمة معلومات، وفي الوقت نفسه كانت جلسات مجلس النواب تُدار لإقرار الموازنة. هنا كان يُفترض أن تصبح العبارة التي قيلت في 9 كانون الثاني معياراً يومياً لا يبرد. لكنّ بيت القصيد، الذي كان يجب أن يحدث بلا انقطاع، أن تُمسك وسائل الإعلام بعبارة الحاكم كعمود فقري يقلب مسار التغطية ويقتحم مكان التضليل على الهواء مباشرة. ففي البرلمان عادت كلمة «الفجوة» تتكرّر على ألسنة النواب، وانزلقت الحكومة إلى اللغة عينها كأنّها حقيقة محايدة، فيما القنوات تنقل الجلسات فيرى الناس بأعينهم كيف يُعاد تدريبهم على القاموس القديم.

 

هنا كان ينبغي أن يكون الإعلام مستنفَراً، ليكسر في اللحظة نفسها عملية التدجين، عبر تذكير الجمهور مرّة بعد مرّة بأنّ هناك جملة قيلت من أعلى موقع نقدي في البلد تُسمّي المدين وتُعيد الحق إلى أهله: دَين دولة من أموال المودعين، وأنّ ما يُقال في البرلمان بلغة الفجوة ليس توصيفاً بريئاً بل إعادة تركيب للرواية القديمة الجديدة.

 

صمت الإعلام هنا هو فشل في الامتحان وتواطؤ واصطفاف داخل سردية الحرب الاقتصادية (Economic Narrative Warfare) كما نقرأها في قاموس عقيدة ترامب الاقتصادية (Trumponomics Doctrine)، لأنّ مَن يحجم عن حماية العبارة يشارك في دفن المعنى الحقيقي، ولو ادّعى أنّه يكتفي بالنقل.

 

وعند هذه النقطة نتساءل: أين هي الولايات المتحدة في كل هذا؟ في بلد تُعامل فيه حاكمية مصرف لبنان كمنصب لا يمرّ عملياً بلا رضى أميركي ضمني، لأنّ مفاتيح الدولار والامتثال والمصارف المراسلة ليست في بيروت، يصبح الصمت الأميركي سؤالاً مشروعاً لا مهرب منه.

 

«رويترز» وثّقت أنّ واشنطن حضرت في اختيار الحاكم، وقيّمت المرشحين في واشنطن وفي السفارة في بيروت، ثم جاء تعيين كريم سعيد. فإذا كانت واشنطن تدخل إلى غرفة التقييم بحجة حماية النظام المالي وبحجة الامتثال وبحجة الإصلاح، فكيف تخرج من المشهد عند أول اختبار داخلي يُعاد فيه تدوير كلمة «الفجوة» على الهواء، ويُترك الناس يُدرَّبون عليها كأنّها الحقيقة الوحيدة، بينما العبارة المقابلة واضحة ومعلنة: دَين دولة من أموال المودعين، لا فجوة، وهي عبارة أكّدها الحاكم وهو المرجع المختص الوحيد؟

 

وكلّنا يعرف أنّ الولايات المتحدة تفرض شروطها، وتملك أدوات ضغط كافية لتغيير سلوك أنظمة كاملة على مستوى سياسي واقتصادي وأمني وإغاثي، كما في غزة وغرينلاند، وتطرح أطراً جديدة تتقدّم على المؤسسات التقليدية الدولية كمجلس سلام جديد مثلاً. فكيف تبدو هنا تحديداً خجولة أو صامتة، بينما تملك القدرة على فرض شروط تعافٍ مالي ومصرفي، في بلدٍ يعتمد في عمقه على شبكة الدولار والامتثال والمصارف المراسلة؟

 

ولأنّ الذاكرة في لبنان قصيرة، يجدر التذكير بأنّ الحضور الأميركي عبر بوابة المال ليس فكرة نظرية. ففي أزمة بنك إنترا عام 1966 لم يكن المشهد مجرّد انهيار مصرف، بل اهتزاز نموذج كامل من الثقة والسيولة، دخل عنصر خارجي على خط التدقيق العملي لمراجعة الدفاتر وفحص واقع السيولة والالتزامات، يحضر هنا اسم بول باركر بوصفه نائب رئيس في Bank of America استُقدم «لتنظيف الفوضى بعد الانهيار». هذه الواقعة لا تُذكر لأنّها تاريخ، بل لأنّها تقول شيئاً بسيطاً لا يحتمل التأويل: إذا كان فتح الدفاتر وكسر التعمية السياسية والإعلامية ممكناً يومها، فلماذا يبدو اليوم أنّ كل شيء يُدار برفع كلمة «الفجوة» ودفن عبارة «دَين دولة من أموال المودعين»؟ أليس هذا هو تشتيت المسؤولية بعينه؟

 

يبقى السؤال: أين هو الحاكم بعد عبارته التي قلبت القاموس؟ أين هو الرجل الذي يفترض أن يظل يضغط كي لا تُدفن الجملة تحت جلسات تُعاد فيها كلمة «الفجوة» على الهواء؟ هل الصمت تكتيك لأنّ الملف يمشي بالدفاتر، أم احتواء لأنّ العبارة أحرجت الجميع، أم رهان على أنّ الزمن سيمحو الصدمة ويُعيد الناس إلى الفجوة؟

 

وعليه، تعود الخلاصة إلى البداية. «لا فجوة بل دَين دولة من أموال المودعين». هذا هو المعيار الذي يُلزم الإعلام أن يُثبّته كل يوم لا أن يتركه يبرد، ويُلزم واشنطن أن تسمّي موقفها، بعدما حضرت في الاختيار، ويُلزم الحاكم أن يحوّل الجملة إلى مسار لا إلى خبر.

theme::common.loader_icon