عملت كريستينا يورتشينكو سنوات طويلة لتبني حياتها في شرق أوكرانيا، في إقليم دونباس تحديداً، حيث كرّست وقتها وجهدها لإدارة استوديو الرقص الشهير الذي تملكه. هناك نسجت علاقاتها، استثمرت طاقتها، وربطت مستقبلها بمكان ظلّ لعقود قلباً صناعياً وثقافياً للبلاد. لكنّ يورتشينكو تقول اليوم إنّها مستعدة للتخلّي عن كل ذلك مقابل سلام دائم. فهي واحدة من عدد متزايد من الأوكرانيِّين الذين باتوا يعتقدون أنّ تسليم الجزء من دونباس الذي لا يزال تحت سيطرة كييف إلى روسيا قد يكون ثمناً مقبولاً لإنهاء الحرب.
يمثل هذا الموقف تحوّلاً لافتاً في المزاج العام داخل مجتمع أنهكته الحرب. فالتنازل عن أراضٍ عجزت روسيا عن الاستيلاء عليها بالقوة كان يُعدّ طويلاً «خطاً أحمر» لا يمكن تجاوزه. غير أنّ ما كان يُنظر إليه يوماً على أنّه غير قابل للتصوّر، أصبح اليوم مطروحاً للنقاش، في ظل إصرار الكرملين على أنّ أي مفاوضات سلام مدعومة من الولايات المتحدة لن تتقدّم ما لم توافق أوكرانيا على التخلّي عن دونباس.
وتضيف يورتشينكو: «السلام بالنسبة إليّ هو الأولوية. إذا كان التخلّي عن دونباس سيضمن نهاية حقيقية للحرب، فسأكون مستعدة للمغادرة». لكنّها تشدّد في المقابل على أنّ قبولها بهذا الخيار مشروط بحصول أوكرانيا على ضمانات أمنية قوية من حلفائها لما بعد الحرب.
مصير دونباس يُعدّ من أعقد الملفات المطروحة على طاولة المحادثات المستمرة بين أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة، التي تُعقد هذا الأسبوع في أبوظبي، العاصمة الإماراتية. فالمنطقة ليست مجرّد مساحة جغرافية، بل رمز سياسي وعسكري واستثماري، دفع الطرفان ثمناً باهظاً للسيطرة عليه.
على مدى سنوات، أنفقت أوكرانيا موارد هائلة لتحصين مدن دونباس، وخسرت أعداداً كبيرة من جنودها دفاعاً عن هذا الإقليم الصناعي. وتشمل دونباس أجزاء من مقاطعات عدة، أبرزها دونيتسك ولوغانسك. ولا تزال كييف تسيطر على نحو 20% من دونيتسك، فيما فقدت السيطرة الكاملة على لوغانسك.
أمّا بالنسبة إلى روسيا، فإنّ إحكام السيطرة على دونباس، على رغم من الخسائر البشرية الكبيرة التي تكبّدتها هناك وتفوق خسائر أوكرانيا، قد يمنح موسكو فرصة لإعلان نصر جزئي، بعد فشلها في تحقيق هدفها الأوسع المتمثل بإخضاع أوكرانيا بالكامل.
في خطاباته العلنية، يؤكّد الرئيس فولوديمير زيلينسكي، أنّ بلاده ترفض الانسحاب الأحادي من دونباس. لكنّه لمّح في مناسبات عدة إلى قدر من المرونة، مشيراً إلى أنّ الطرفَين، الروسي والأوكراني، قد يضطران إلى تقديم تنازلات، مع ازدياد الضغوط على أوكرانيا عسكرياً وعلى طاولة التفاوض.
وتعكس استطلاعات الرأي هذا التحوّل النسبي في المواقف. ففي أيار 2022، وبعد شهرَين فقط من صدّ القوات الأوكرانية للهجوم الروسي على محيط كييف، أظهر استطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع»، أنّ 82% من الأوكرانيِّين يرفضون التنازل عن أي أرضٍ تحت أي ظرف.
أمّا في أحدث استطلاع نشره المعهد هذا الأسبوع، فكشف 40% من المشاركين، أنّهم قد يدعمون التخلّي عن دونباس مقابل ضمانات أمنية واضحة. وعلى رغم من أنّ الاستطلاعَين غير قابلَين للمقارنة المباشرة بسبب اختلاف صيغة الأسئلة، فإنّ النتيجة تنسجم مع بيانات أخرى تشير إلى تزايد تقبُّل فكرة التنازلات الإقليمية.
مع ذلك، لا يزال غالبية الأوكرانيِّين يعارضون هذا الخيار. وكثيرون منهم مستعدّون لتحمّل مزيد من المعاناة، بما في ذلك الهجمات الروسية المتكرّرة على البنية التحتية للطاقة، حتى في أشدّ فصول الشتاء قسوة.
ويرى محللون أنّ التخلّي عن دونباس قد يؤدّي إلى انقسام داخلي حاد، وإعادة رسم صورة زيلينسكي التاريخية: من قائد دافع عن سيادة الدولة إلى رئيس سمح بوقوع أراضٍ كانت تحت السيطرة الأوكرانية في قبضة الاحتلال الروسي، حيث يعيش حالياً نحو 190 ألف شخص. ويرجّح أن يختار كثيرون منهم النزوح إلى مناطق لا تزال خاضعة لكييف، بدلاً من العيش تحت الحكم الروسي.
ويشرح يفهين كوليادا، رئيس مركز تنسيق الإغاثة الذي ساعد في إجلاء آلاف المدنيِّين من مناطق الخطوط الأمامية، أنّ زيلينسكي «يصغي إلى شعبه، ولن يُقدِم على خطوة كهذه». ويضيف محللون قانونيّون، من بينهم ميخايلو ساموس، مدير «شبكة أبحاث الجيوسياسة الجديدة» في كييف، أنّ القانون الأوكراني يمنع التنازل عن أراضٍ لم تُحتل بالقوّة العسكرية.
وكان زيلينسكي قد اقترح سابقاً انسحاباً متزامناً ومتساوياً للقوات الأوكرانية والروسية من خط الجبهة في دونباس، لإنشاء منطقة منزوعة السلاح. وعلى رغم من أنّ هذا الطرح قد يُناقش نظرياً، فإنّ ساموس يرى أنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يزال يراهن على الحسم العسكري أو فرض مطالبه عبر التفاوض.
بالنسبة إلى أولئك المستعدين للتنازل، تبقى الضمانات الأمنية هي الشرط الحاسم. فثمة مخاوف واسعة من أن يؤدّي انسحاب أوكرانيا من دونباس من دون حماية دولية، إلى تمكين روسيا من إعادة تنظيم قواتها، واستخدام الإقليم نقطة انطلاق لهجمات جديدة.
يُشير المحلل السياسي أوليه ساكيان، إلى أنّ الضمانات يجب أن تعني «تعهّدات واضحة بعدم تجدُّد الهجوم، ومسؤولية مباشرة من الدول الشريكة عن تنفيذ ذلك». وعلى رغم من استعداد كييف لتوقيع اتفاقات أمنية مع أوروبا والولايات المتحدة، لا يزال الغموض يكتنف مدى استعداد الدول الأوروبية للقتال فعلياً دفاعاً عن أوكرانيا، في وقت تعارض فيه موسكو أي وجود عسكري أوروبي داخل الأراضي الأوكرانية.
ويحذّر ساكيان من وَهم الاعتقاد بأنّ التنازل عن دونباس كفيل بإنهاء الحرب. أمّا يورتشينكو، فتبقى قناعتها الأساسية أنّ السلام هو الهدف الأعلى، لكنّها لا تخفي قلقها من ألّا يكون حتى التنازل الكبير كافياً لمنع هجوم روسي جديد.