لم يعُد الابتزاز الرقمي فعلاً هامشياً أو حادثة فردية، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى جريمة عابرة للشاشات تهدّد المجتمع بأكمله، وتطال النساء والرجال والأطفال على حدّ سواء.
إنّها جريمة صامتة تُرتكب في الخفاء، لكنّها تترك آثاراً عميقة على الأفراد، مستهدفة سمعتهم، خصوصيّتهم، وأمانهم النفسي، في ظل فضاء رقمي مفتوح وسريع الانتشار.
ومع اتساع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الذكية، بات كثيرون عرضةً للتهديد بنشر صور أو معلومات خاصة، سواء كانت حقيقية أو مفبركة، في محاولة لفرض الخوف والسيطرة.
اللافت في هذه الجرائم أنّ الضحية غالباً ما تُدفع إلى الصمت، إمّا خجلاً، أو خوفاً من الفضيحة، أو فقداناً للثقة بالمحيط أو بالمؤسسات المعنية. وهذا الصمت تحديداً هو ما يمنح المبتز قوّة إضافية، ويحوّل الضحية من متضرّر إلى سجين.
مَن هم الضحايا؟
الإبتزاز الرقمي لا يطال فئة واحدة. فالنساء يتعرّضن له بسبب صور شخصية أو محادثات خاصة، أو حتى صور مركّبة باستخدام تقنيات رقمية حديثة.
بدورهم، الرجال يُستهدفون عبر تهديدات تمسّ السمعة المهنية أو العائلية. أمّا الأطفال والمراهقون، فهم الفئة الأكثر هشاشة وخطورة، إذ يُستغَل صغر سنّهم وقِلّة خبرتهم لإجبارهم على الصمت أو الامتثال.
في كثير من الحالات لا تكون المواد المستخدمة في الابتزاز حقيقية، بل مفبركة أو مقتطعة من سياقها. وفي حالات أخرى تكون صوراً أو تسجيلات أُرسلت برضى الطرفَين في إطار ثقة شخصية، ثم جرى استخدامها لاحقاً كسلاح تهديد.
وهنا لا بُدّ من التأكيد بوضوح: حتى لو أُرسل المحتوى برضى كامل، فإنّ استخدامه لاحقاً للتهديد أو التشهير يُعدّ جريمةً مكتملة الأركان، ولا يُسقَط حق الضحية القانوني أو الأخلاقي تحت أي ذريعة.
الأثر النفسي... الوجه غير المرئي للجريمة
لا تكمن خطورة الابتزاز الرقمي في التهديد وحده، بل في الأثر النفسي العميق الذي يُخلّفه. فكثير من الضحايا يعانون من القلق، التوتر، العزلة الاجتماعية، وفقدان الإحساس بالأمان، وقد تتفاقم هذه المعاناة في ظل الخوف من الفضيحة أو من نظرة المجتمع القاسية.
إنّ غياب الدعم، وتحميل الضحية مسؤولية ما جرى، بدل محاسبة المجرم، يزيد من قسوة التجربة ويُعمّق الجرح النفسي.
الخوف ليس حلاً
يعتمد المبتز أساساً على الخوف. فكلّما خافت الضحية أكثر، شعر بالقوّة. وكلّما صمتت الضحية توسّعت دائرة الابتزاز. وقد أثبتت التجارب أنّ الاستجابة للمبتز، سواء بالدفع أو الخضوع أو التوسّل لا تنهي المشكلة، بل غالباً ما تفتح الباب أمام مطالب متكرّرة وتهديدات أشدّ خطورة.
الوعي هنا هو خط الدفاع الأول. فالابتزاز الرقمي جريمة يعاقب عليها القانون، واللوم لا يقع على الضحية، مهما كانت الظروف أو التفاصيل.
إرشادات أساسية للوقاية والمواجهة
- عدم التفاعل مع المبتز أو الدخول في مساومات معه.
- الاحتفاظ بجميع الرسائل والصور وأسماء الحسابات، وأي دليل يمكن الاستفادة منه قانونياً.
-عدم حذف أي محتوى مرتبط بالتهديد.
- طلب الدعم النفسي أو القانوني وعدم مواجهة الأمر وحيداً.
- توعية الأطفال والمراهقين على مخاطر مشاركة المعلومات والصور، وتشجيعهم على الإبلاغ فور التعرّض لأي تهديد.
كيفية التبليغ عن الابتزاز الإلكتروني في لبنان
يُعدّ الإبلاغ خطوة أساسية لحماية الضحية ووقف الجريمة، ويمكن التبليغ عبر:
الرقم الساخن لشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي: 1788 أو الاتصال المباشر: 01/293293
البريد الإلكتروني: [email protected]
خدمة «بلّغ» عبر الموقع الإلكتروني للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي
www.isf.gov.lb
ويُنصح عند التبليغ:
توثيق جميع الأدلة وعدم التلاعب بها.
الحفاظ على سرّية القضية وعدم تداول تفاصيلها خارج الإطار القانوني.
كسر دائرة الصمت
المواجهة الحقيقية مع الابتزاز الرقمي ليست تقنية فقط، بل اجتماعية وثقافية.
فما دام المجتمع يُدين الضحية بدل حمايتها، ويحاسب المتضرّر بدل المجرم، سيبقى المبتز مطمئناً.
نحتاج إلى خطاب واضح يقول: الخصوصية حق، التهديد جريمة، والصمت ليس واجباً.
في زمن تُختبر فيه إنسانيّتنا خلف الشاشات، يبقى الوعي والشجاعة أول خطوة نحو الحماية. فالابتزاز ليس قدراً، والخوف ليس حلاً، والكلام حين يكون في مكانه الصحيح هو بداية النجاة.