عضو اللجنة الوطنية للحوار الإسلامي - المسيحي
تزدحمُ الأصوات بالأصوات، والوجوه بالوجوه، حتى يغدو المشهد الإنساني كمرآةٍ مهتزّة لا تستقرّ على صورة واحدة. ويظلّ تقلّب البشر ظاهرةً لافتة، كأنّ الحياة تجري فيهم كنهرٍ مضطرب، لا يلبث أن يغيّر مجراه بين لحظةٍ وأخرى.
نُبصر الإنسان في مشهد صفاء، هادئ النظرة، رقيق العبارة، ثم لا نلبث أن نراه وقد انقلبت ملامحه، كأنّ ريحاً عاتية مرّت على صفحة ماءٍ كانت ساكنة، فأثارت فيها العواصف. يغضب، يعلو صوته، ويتبدّل مزاجه، في دهشةٍ تضعنا أمام سؤالٍ قديم جديد: أيّ الوجوه هو الحقيقي؟
نرى وجههُ في دقائق التأمّل راضياً، مستبصراً، يحدّثك عن القناعة وكأنّه بلغ شاطئ الطمأنينة، ثم في لحظات قليلة يتلوّن كغيمةٍ عابرة، تتأرجح بين ضوء الشمس وظلال الغيم. نراه صادقًا في وعده، متحمّسًا لما يقول، ثم لا تلبث الكلمات أن تهرب منه، وتتناثر الوعود بين ثِقل الزمن وفقدان العزم. وكأنّ الإنسان، في كثير من أحواله، لا يخون غير ضعفه، ولا ينقض إلّا ما عجز عن احتماله.
غير أنّ هذا التقلّب، وإن بدا عيبًا في الظاهر، فهو في عمقه جزء من الكينونة البشرية. فالإنسان ليس كتلة صلبة من الثبات، بل كائن يموج بين ضفتين: بين نور الرجاء وظلال القلق، بين رغبةٍ عميقة في الاستقرار، ونفورٍ غريزي من الجمود. في داخله مزيجٌ معقّد من المشاعر والدوافع، كأنّه طائر يحطّ على شجيرات الوجدان، لا يلبث أن يقلّب جناحيه إلى غصنٍ آخر، بحثًا عن أمانٍ موقت أو معنى جديد.
وهنا يتجلّى الفارق بين تقلّبٍ واعٍ وتقلّبٍ منفلت. فالأول مراجعةٌ للنفس، وتكيّفٌ مع الواقع دون التفريط بالقِيم، أمّا الثاني فهو تلوّنٌ بلا بوصلة، وانجرافٌ مع اللحظة، حيث يتبدّل الموقف بتبدّل المصلحة! ولعلّ الخطر لا يكمن في التغيّر ذاته، بل في فقدان المعيار الذي يضبطه.
إنّ الإنسان، في النهاية، كائن يتشكّل مع رياحِ الحياة، نعم، لكنه يُمتحن بقدرته على أن يجعل من القيم مرساةً لا تقتلعها العواصف. فليس الثبات جمودًا، ولا التغيّر خيانة، وإنما الحكمة أن يعرف المرء متى يتبدّل ليبقى إنسانًا، ومتى يثبت كي لا يضيع.
المعصومون؛ الأنبياء، والرسل، والأصفياء يمثلون مدرسة متكاملة للحكمة الإنسانية، تُعلّمنا كيف يثبت القلب على مرّ الدهور، وكيف يجمع بين طمأنينة الروح وسكينة النظرة، وكيف يضيء للآخرين سبيل الثبات وسط عواصف التبدّل والتقلب. إنّهم، على رغم ما يواجهونه من أوجاع وتجارب، يحوّلون الصراع الداخلي إلى نور، ويجعلون من كل لحظة تقلب محطة للنمو، لا للاضطراب. في ثباتهم تكمن قوة استثنائية، ليست غيابًا للضعف أو الألم، بل فنّ تحويل المحنة إلى حكمة، والاضطراب إلى توازن روحي يضيء للإنسان طريق الفهم والوعي.
أما نحن العاديون، فطبيعتنا تتأرجح بين الارتياح والقلق، بين الاطمئنان والانزعاج، ولا عيب في ذلك ما دامت هذه التقلّبات وسيلة للتعلم واكتشاف الذات. فالتقلب في النفس، حين يُنظر إليه بعين الحكمة، ليس عيبًا، بل مؤشر إلى أنّ الإنسان حيّ، يدرك معاني وجوده، ويسعى لاستيعاب أعماق الحياة. إننا بذلك نتعلم كيف نصنع من الاضطراب وقودًا للنمو، وكيف نحوّل اللحظات المتوترة إلى فرص للوعي الذاتي والتأمّل العميق في مصائرنا واختياراتنا.
وبالتالي، أن نحمل تقلّبنا هو درس نُطوّر به أنفسنا، نصقل به قلوبنا، حتى لا نكون كالأمواج المتنافرة على الشاطئ، متلاطمة بلا أثر، بل كالبحر العميق في سكونه واضطرابه، جامعًا في ثناياه أسرار الذات والوجود، متماسكًا رغم التغيّرات، حاملاً في أعماقه قدرة على استيعاب كل حدث وتجربة. فالثبات الحقيقي ليس غياب الحركة أو التقلّب، بل القدرة على التكيّف الواعي، والفهم العميق لذواتنا وعلاقاتنا، وللظروف التي تحدّد مسار حياتنا.
وبناءً عليه، يصبح كل تقلّب فرصة للتعلم، وكل اضطراب وسيلة لإعادة ضبط النفس، وكل اختبار لحظة للارتقاء بالقلب والروح. فالإنسان الذي يتأمّل في تقلّباته ويصنع منها جسورًا للنمو، لن يفقد ذاته، بل سيزداد حضورًا ووعيًا، وسيستطيع أن يقف ثابتًا وسط أمواج الحياة المتقلّبة، مستلهمًا من أصحابِ الحِكمةِ قوة الصبر، وهدوء النظر، ووضوح البصيرة، ليصبح ثباته مصدرًا لنورٍ يعمّ ذواتِنا وَالآخرين.