مرتا، مرتا، تهتمّين لأمور كثيرة... والمطلوب واحد
مرتا، مرتا، تهتمّين لأمور كثيرة... والمطلوب واحد
فادي عبود
Friday, 30-Jan-2026 07:14

حين نفقد البوصلة، نُضيّع الجوهر ونتهرّب من السؤال الأساسي: معرفة حقيقة ما حصل في سرقة القرن واحتجاز تعب وجنى الناس. المشكلة ليست في اقتراح الحلول، بل في غياب الأولوية، وفي عدم اتباع الطريق المنطقي في معالجة أي أزمة، إذ يجب أولاً إجراء التشخيص، أي معرفة ما حصل في المصارف والمصرف المركزي بالتفصيل الدقيق، وبناءً عليه يتمّ اقتراح الحلول، وليس العكس كما تفعل حكوماتنا المتلاحقة والمسؤولون.

لذلك نعيد المطلوب أولاً: كشف حسابات المصارف والمركزي، ومعرفة ما حصل بالتفصيل.

يرتفع سعر الذهب، فينقسم الناس بين مَن يؤيّد بيع جزء منه، وبين مَن يخاف من سرقة عائداته وضياعها، ونختلف. ولكن نكرّر: أليس الأجدى أن يكون الخيار الأول قبل كل شيء كشف حسابات المصارف والمركزي، ومعرفة ما حصل بالتفصيل؟

 

في الجلسات العامة لمناقشة الموازنة العامة، يتناوب النواب على الكلام، تتراشق الاتهامات، وتُطرح الاقتراحات عشوائياً من هنا وهناك. لم يسأل أحد من النواب الكرام عن ضرورة معرفة حقيقة ما حصل. تكلّم بعضهم عن ضرورة إجراء تدقيق جنائي، ولكن لم يوضّحوا ما يقصدون بالتحديد؛ إنّ استعمال الكلمة بطريقة عامة مبهمة ليس الحل المنشود. ونسأل: كيف يمكن تشريع حلول وإصدار قوانين من دون تشخيص؟ من هنا، نحن مضطرّون أن نكرّر للمرّة الألف: أليس المطلوب أولاً كشف حسابات المصارف والمركزي، ومعرفة ما حصل بالتفصيل؟

 

تجتمع لجان المودعين، وتُصدر بيانات تطالب باستعادة الحقوق، وهذا حق بديهي لا نقاش فيه. لكن حتى هذا الحق يصبح هشّاً إن لم يُبنَ على حقيقة كاملة وموثّقة. فلا حقوق من دون تحديد المسؤوليات، ولا عدالة من دون معرفة مَن سرق، وكيف، وتحت أي غطاء سياسي ومالي.

ومجدّداً نكرّر للمرّة المليون: أليس المطلوب أولاً كشف حسابات المصارف والمركزي، ومعرفة ما حصل بالتفصيل؟

 

أمّا الحديث عن النهوض، وبناء اقتصاد منتج، ومجتمع واعٍ ورؤيوي يؤسّس لأجيال قادرة أن تعيش بحرّية وكرامة في بلدها، فيبقى شعاراً إن لم يسبقه تشخيص دقيق للمشكلة، أي كما ذكرنا: كشف حسابات المصارف والمركزي ومعرفة ما حصل بالتفصيل.

 

كما أنّ هذا لا يكفي وحده، بل يجب علينا إقرار الشفافية المطلقة التي تكلّمنا عنها مراراً، مع السماح بفتح مصارف جديدة، لأنّ هذه المصارف الحالية لا أمل فيها ولا ثقة بها مهما حاولت. مع العلم أنّه يبدو أنّ الحكومة مصمّمة على إجبار اللبنانيِّين على أن يتعاملوا مجدّداً مع هؤلاء الذين أفقرُوهم (نأمل أن نكون على خطأ). إنّ الإطّلاع على ما حصل وإقرار الشفافية المطلقة كفيلان بعدم تكرار ما حصل، بالطبع بواسطة القوانين اللازمة لذلك.

 

في الخلاصة، يبدو أنّ تضييع الموضوع مقصود باعتماد العموميات، وتثبيت رقم الفجوة المالية عشوائياً، وضخ أفكار خلافية قد تكون وُجدت عمداً لإلهائنا عن حقنا الأساسي بمعرفة ما حصل بالتفصيل.

 

مرتا، مرتا، إنكِ تهتمّين وتضطربين لأمور كثيرة... والمطلوب واحد:

المطلوب هو كشف حسابات المصارف والمركزي، ومعرفة ما حصل بالتفصيل. سنبقى نكرّرها حتى نعرف كافة التفاصيل.

theme::common.loader_icon