بيروت تنتظر ما ستؤول إليه طهران
بيروت تنتظر ما ستؤول إليه طهران
جوني منيّر
Thursday, 29-Jan-2026 08:09

كل الأنظار تتركّز على التطورات الأميركية ـ الإيرانية. وكلما تقدّم الوقت كلما ارتفع منسوب الضربة العسكرية الأميركية لإيران. ومع تعاظم الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، وهو ما أشار إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تغريدته اللافتة أمس، تتضاءل أكثر فأكثر الآمال بحصول انعطافة اللحظات الأخيرة في اتجاه تسوية سياسية. وقد يكون ترامب، ومن خلال إيران، يبحث عن صفقة تُحدث صدمة في الداخل الأميركي، وتزيح عن كاهله المشكلات الداخلية الكبيرة، والتي تؤرق الحزب الجمهوري إنتخابياً.

نهاية الأسبوع الماضي، توقّع عدد من الدول، وفي طليعتها إسرائيل، أنّ العالم على بعد ساعات معدودة من الضربة الأميركية لإيران. لكن ذلك لم يحصل، في وقت أبدت طهران، وبأشكال مختلفة، استعدادها للتفاوض مع واشنطن ولكن بلا شروط مسبقة. وجاء اتصال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان واضحاً في هذا الإتجاه، وحيث أبدى بزشكيان ترحيبه بأي مسار يمنع الحرب، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» عن الرئاسة الإيرانية.

 

ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، والذي يراهن على ضربة عسكرية تؤدي لإحداث تغيير جدّي ونهائي على مستوى السلطة في إيران، بدا قلقاً من حصول تسوية اللحظات الأخيرة، وهو الذي اختبر من قرب التقلّبات السياسية لترامب. ونشرت القناة 12 الإسرائيلية تقريراً نسبته إلى مسؤولين إسرائيليين، يفيد بوجود تقديرات حول محادثات سرّية بين طهران وواشنطن، وأنّ إسرائيل متخوفة من التوصل الى «إتفاق نووي سيّئ».

 

في الواقع، إنّ إسرائيل تعتبر أنّ أي اتفاق قد يحصل الآن سيكون سيئاً. فهي تسعى إلى تغيير جذري على مستوى النظام الديني الذي يحكم إيران.

 

إلّا أنّ الأجواء والمعلومات الموجودة لدى العواصم الحليفة لواشنطن في الشرق الأوسط، تتحدث عن قرار اتُخذ على مستوى القيادة الأميركية بالقيام بعملية عسكرية ضدّ إيران، بهدف إجراء تغيير جذري على مستوى السلطة القائمة. وهذا ما عبّر عنه السيناتور الأميركي ليندسي غراهام القريب جدًا من ترامب، إضافة إلى كلام المستشار الألماني، عن أنّ النظام الإيراني يعيش أيامه الأخيرة. ولكن لماذا تمّ تأجيل ساعة الصفر، والتي كان يتوقعها كثير من العواصم نهاية الأسبوع الماضي؟ فوفق المعلومات المتداولة على مستوى عواصم عربية، والتي يعود مصدرها إلى العاصمة الأميركية، فإنّ العملية الأميركية تأجّلت بضعة أيام بناءً على طلب القيادة العسكرية لحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، لأنّها لا تزال غير جاهزة لتنفيذ المهمّة بنجاح. ولذلك تمّ طلب مهلة إضافية وهي أسبوع، لاستكمال الخطوات التحضيرية المطلوبة.

 

وحاملة الطائرات تقوم عادة بمسح راداري وإلكتروني واسع النطاق لكشف أنظمة الرصد والدفاع المقابلة، تمهيداً لوضعها أهدافاً للطائرات الحربية. وفي انتظار اكتمال هذه الترتيبات العسكرية، عمدت البحرية الأميركية لملء الوقت بمناورات تمهيدية واسعة. ووفق هذه المعلومات، فإنّ العواصم المعنية في الشرق الأوسط تعتقد أنّ قراراً نهائياً اتُخذ بشن العملية العسكرية، والتي ستدوم بضعة أيام، وستهدف للذهاب إلى مرحلة إنتقالية على مستوى قيادة البلاد، وسط ترجيحات بإيلاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان هذه المرحلة الإنتقالية إلى جانب وزير الخارجية عباس عراقجي. وتردّد سابقاً أنّ الهدف الأول يقضي باغتيال رأس النظام أي المرشد علي خامنئي ومن ثم ضرب مفاصل الحرس الثوري، والذي يشكّل الذراع التنفيذية للنظام. لكن ردود فعل شاجبة صدرت رفضاً لإغتيال خامنئي، خصوصاً لدى المرجع الشيعي الكبير السيد السيستاني، الذي اعتبر أنّ إغتيال مرجع ديني بحجم خامنئي ستكون له آثار قوية على مستوى الطائفة الشيعية كلها.

 

وفي المقابل، باتت طهران تتعامل مع الظروف وكأنّ الحرب حاصلة حتماً، حيث عمدت إلى نشر وحدات الحرس الثوري على طول سواحلها الجنوبية ومزودة صواريخ مضادة للسفن، خصوصاً في مضيق هرمز وبحر الخليج، مع التركيز على نقاط إستراتيجية مثل جزيرتي قشم وبندر عباس، لمواجهة الأسطول الأميركي. وهي عمدت أيضاً إلى إبراز مخالبها الإقليمية، وخصوصاً في لبنان من خلال «حزب الله». ومن هذه الزاوية، تمّ تفسير الكلام المكتوب الذي أطلقه الأمين العام لـ»حزب الله» الشيخ نعيم قاسم وفي حضور السفير الإيراني في لبنان مجتبى أماني، والذي حمل عنواناً واضحاً: «لسنا على الحياد». وفي الوقت نفسه رفعت الفصائل العراقية الموالية لإيران من حالة التأهب والجاهزية «للإنخراط عسكرياً إلى جانب إيران»، وسط تصعيد سياسي بدعم وصول نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة.

 

لكن «مخالب» إيران الإقليمية وخصوصاً في لبنان، لم تعد بالقوة التي قامت عليها سابقاً. لا بل إنّها باتت تمنح إسرائيل الذريعة التي تطلبها لاستكمال مشروعها التدميري والتوسعي. لدرجة أنّ هنالك من يعتقد بأنّ رفع صوت «حزب الله» يصيب السلطة القائمة في لبنان قبل إسرائيل. في وقت تتصرف السلطة اللبنانية وكأنّها متراجعة وعاجزة حتى عن الردّ على الكلام الذي قيل، في وقت يزداد حرجها مع استمرار الغارات الإسرائيلية اليومية، والتي يعجز الجميع عن مواجهتها.

 

ولأنّ المشهد الإقليمي على المستوى الإيراني يقف على مشارف تغييرات كبرى وحاسمة، إن حرباً أو من خلال تسوية سياسية، فإنّ الملفات والإستحقاقات اللبنانية تمّ تأجيلها انتظاراً لما ستؤول إليه الأمور. ولهذا السبب تحديداً تمّ تأجيل إجتماع «الميكانيزم» حتى 25 شباط المقبل. فإذا كانت التطورات المنتظرة ستدفع في اتجاه واقع إيراني جديد، فإنّ من المنطقي تجميد أي حركة للجنة «الميكانيزم» انتظاراً للصورة التي ستظهر. أضف إلى ذلك، احتمال حصول تطورات حربية قد تطاول «حزب الله» في لبنان، ما سيعني إرساء معادلة ميدانية جديدة، ستفتح الأبواب أمام «ميكانيزم» أُخرى، أي «ميكانيزم» سياسية وديبلوماسية وليس عسكرية حصراً، وهو ما طالب نتنياهو به دائماً، ولمحت واشنطن إليه بطرق عدة.

 

ولأنّ المشهد على المستوى الإيراني لا يزال ضبابياً ومشوشاً وغير محسوم الإتجاه إن عسكرياً أو ديبلوماسياً، فإنّ الضغط الأميركي لا يزال يدفع في اتجاه حسم السلطة اللبنانية قرار ذهابها إلى تطبيق المرحلة الثانية من خطة الجيش اللبناني، والتي يرفضها «حزب الله» في المطلق، ملوّحاً بمواجهة كربلائية. وبدا وكأنّ جرعات الدعم التي أُعطيت لبيروت إنما جاءت بمثابة منشطات محدودة، وليس أبداً كدعم كامل وثابت. فالدعم القطري هدف إلى منع الإنهيار ولا يحاكي حلولاً جذرية، خلافاً للترويج اللبناني له. كما أنّ مؤتمر دعم الجيش، والذي حُدد موعده في 5 آذار، بدا أقرب إلى صوت في البرية منه إلى الدعوة الجدّية اليه. فحتى باريس التي سعت بكل جهد لتحديد موعد المؤتمر بدت وكأنّها باتت تشكّك بانعقاده في موعده، بعدما لمست عدم حماسة واشنطن والرياض اللتين تشترطان حصول تقدّم ملموس على مستوى حصر السلاح، وليس الإكتفاء بالمواقف الخطابية. وحتى الآن، وعلى رغم من مرور مدة زمنية على إعلان موعد انعقاد المؤتمر، فإنّه لا وجود لأي حركة تحضيرية أو تنظيمية يفترض البدء بها لتنظيم المؤتمر وآلياته.

 

وليس من المبالغة القول، إنّ كل هذا السياق ينتظر النتائج التي ستسفر عنها الزيارة الرسمية الأولى لقائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن. وقد سافر صباح أمس وفد الضباط الذي سيستبق الزيارة. وقد درجت العادة في واشنطن أن تجتمع القيادة العسكرية الأميركية مع قادة الجيوش «الصديقة» والتي تتلقّى مساعدات سنوية من واشنطن. وزيارة قائد الجيش تأتي في هذا السياق، بعد كل ما رافق تحديد موعدها ومن ثم إلغاؤها قبل نحو شهرين، وهي أول زيارة رسمية له لواشنطن، وهو بلا شك يريد لها أن تنجح، خصوصاً بعد النكسة التي حصلت. لكن لواشنطن مطالب، وأجوبتها موجودة لدى الحكومة اللبنانية. وفي وقت تمّ تحديد غد الجمعة موعداً لاجتماع مجلس الوزراء، فمن البديهي توقّع أنّ البحث سيطاول ملف حصر السلاح في مرحلته الثانية قبل سفر هيكل نهاية الأسبوع إلى واشنطن. أضف إلى ذلك، المواقف العالية السقف التي أطلقها الشيخ نعيم قاسم، والتي لم تلق أي ردّ رسمي حتى الساعة.

 

ومنذ أكثر من أسبوعين ما زال التواصل مجمّداً بين قيادة الجيش و»حزب الله». وعلى المستوى الميداني لا يزال الجيش يتجنّب الذهاب للكشف على المناطق التي تستهدفها الطائرات الحربية الإسرائيلية وتصنّفها بأنّها بنى تحتية لأسلحة «حزب الله» ومخازنه. وعلّل البعض هذا الإنقطاع بأنّه ربما لعدم وجود أحداث تستوجب حصول هذا التواصل، أو ربما بسبب ما يُحكى عن تنظيم داخلي في «حزب الله» طاول مهمّات مسؤول التنسيق والارتباط وفيق صفا. فآخر ظهور للأخير كان في مناسبة العزاء بوالدة زوجة قائد الجيش منذ أكثر من أسبوعين، ويومها تعمّد صفا المشاركة في واجب العزاء. وخلال الأسابيع الماضية اقتصر التنسيق بين الجيش و»حزب الله» عبر المسؤولين المناطقيين. فمثلاً بات يتمّ التنسيق في الضاحية الجنوبية عبر مسؤول «حزب الله» المحلي علي أيوب، بعدما كان سابقاً يمر حكماً من خلال صفا. بما معناه حل التنسيق اللامركزي بدل التنسيق المركزي الذي كان قائماً سابقاً، وربما حتى إشعار آخر.

 

وفي انتظار الموقف الذي ستتخذه الحكومة ليحمله معه العماد هيكل إلى واشنطن ويتظلل به، عَمَد لبنان إلى كشف المعلومات المضّللة التي مررتها تل أبيب لواشنطن حول عمل الجيش جنوب نهر الليطاني. ففيما ادّعت إسرائيل أنّ الجيش اللبناني نفّذ نحو 2000 عملية دهم وتفتيش، أظهر لبنان أنّ الجيش نفّذ ما يفوق الـ8 آلاف مهمّة. وهو ما يُظهر النيات التي تبيتها إسرائيل.

 

في هذا الوقت، أبلغت واشنطن إلى المسؤولين اللبنانيين رسمياً، أنّ سفيرها في بيروت ميشال عيسى أصبح هو الممثل الوحيد لها على كل الأصعدة بما فيها «الميكانيزم»، وأنّه لا وجود لأي ممثل رسمي آخر. ففي السابق كان لبنان يعاني من إزدواجية التمثيل الأميركي والمسؤوليات المترتبة على ذلك، وهو ما كان يؤدي إلى تشابك في المسؤوليات والمهمّات والمرجعيات. وهو ما حصل مثلاً أيام السفيرة دوروثي شيا والموفد الرئاسي آموس هوكشتاين، وهو ما انسحب لاحقاً على مهمّات السفيرة ليزا جونسون. وعند انتخاب دونالد ترامب حصل تشابك بين ثلاث مرجعيات، السفيرة ومورغان أورتاغوس وتوم براك. ولكن مع ميشال عيسى صدر قرار عن البيت الأبيض بحصر كل الأدوار بيده، وهو ما يحصل للمرّة الأولى منذ وقت طويل وتحديداً منذ السفيرة إليزابيت ريتشارد. وهو ما سمح بحصول اجتماع تنسيقي لافت جداً في العاصمة الاردنية بين السفيرين الأميركيين في لبنان وإسرائيل. هذا التنسيق سيطاول بطبيعة الحال النسخة الجديدة لـ»الميكانيزم»، والتي من المفترض أن تتبلور بعد رسو الأوضاع بين واشنطن وطهران، وتظهير الصورة الجديدة. وهو ما يعني أنّ الواقع اللبناني ينتظر التطورات الكبرى التي ستشهدها المنطقة خلال الأسابيع المقبلة.

 

من المفترض أن يفتتح السفيرعيسى المقر الجديد والضخم للسفارة الأميركية في لبنان في منتصف 2027. ووفق المعايير التي تعتمدها وزارة الخارجية الأميركية، فإنّ مقار السفارات في العالم تنقسم وفق ثلاث فئات: كبيرة، وسطى وصغيرة. وكان أن قرّرت واشنطن عام 2006 بناء مقر لها في لبنان من الفئة الكبيرة على رغم من صغر مساحة لبنان، ولهذا معناه. صحيح أنّ في بعض عواصم الشرق الأوسط هنالك مقار للسفارات الأميركية من الفئة الكبيرة كمثل القاهرة وعمان وبغداد، إلّا أنّ السفارة الجاري إنجازها في لبنان تُعتبر الأكبر بينها، لا بل من بين السفارات الكبرى على مستوى العالم، خصوصاً مع طاقم ديبلوماسي وتشغيلي يتجاوز الألف ومئة موظف. وهو ما يعكس القرار الأميركي بالحضور والتأثير، ليس فقط على المستوى اللبناني، إنما على مستوى الشرق الأوسط بكامله، وهو الدور الذي تولته السفارة الأميركية في لبنان خلال فترة ما قبل الحرب. ففي العادة، إنّ حجم السفارة يعكس الكثير على مستوى النفوذ والتأثير. هكذا كانت السفارة الفرنسية ضخمة طوال العقود الماضية ومنذ نشأة لبنان، وهو ما كان يعكس نفوذها وتأثيرها. ومنذ نحو عشر سنوات عملت طهران على استبدال مقر سفارتها وتشييد مقر كبير في مكان لا يبعد كثيراً عن الأول. وهو ما كان يؤشر إلى البعد السياسي الذي أرادته. لكن الظروف انقلبت أو تكاد، أو في طريقها إلى ذلك.

theme::common.loader_icon