لبنان يتأهّب لمفاوضات سياسية مع إسرائيل
لبنان يتأهّب لمفاوضات سياسية مع إسرائيل
طوني عيسى
Tuesday, 27-Jan-2026 06:47

فيما «الميكانيزم» في الناقورة تترنح، أو تستعد للدخول في مرحلة جديدة، تشهد الكواليس حراكاً سياسياً ثلاثياً (لبنان- الولايات المتحدة- إسرائيل) لإطلاق مفاوضات تتجاوز الإحداثيات الجغرافية لترسانات «حزب الله» وأنفاقه، وتنتقل إلى مستوى «الجراحة السياسية»، في سيناريو يحاكي النموذج السوري.

سيكون يوم 3 شباط المقبل حاسماً للبنان. فزيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل لواشنطن تتمّ في لحظة استثنائية وظروف غير مسبوقة، وستكون بمثابة «امتحان» لمدى التزام لبنان تنفيذ خطة حصر السلاح. ومن المؤكّد أنّ الأميركيين لم يحدّدوا موعداً جديداً لقائد الجيش، بعد إرجاء لأسابيع، إلّا بعد حصولهم على تأكيدات رسمية لبنانية بأنّ الدولة جادة في دخول «المختبر الأميركي» لتنفيذ المرحلة الثانية من الخطة، بعد فترة من التخبّط والرمادية في الموقف. وهذا ما يفسّر اليوم اتساع الهوة المتسارع بين «الحزب» وأركان الحكم.
في هذه الأثناء، يقوم الأميركيون والإسرائيليون بنسف كل «عدة الشغل» التي استخدموها في المرحلة الأولى، جنوب الليطاني. وهم يسحبون «أجهزة الإنعاش» عن لجنة «الميكانيزم» باعتبارها رمزاً لـ«النموذج الرمادي» الذي لطالما ارتاح إليه اللبنانيون، وسمح لهم بمقدار من المماطلة وكسب الوقت بدعم من فرنسا و«اليونيفيل». والبديل الجاهز سيكون ثلاثياً، أي سيضمّ لبنان وإسرائيل والشريك الأميركي وحدهم. وربما تستمر النقاشات الأمنية بين الضباط في لجنة تتصف بالطابع التقني الذي لا بدّ منه لحلحلة الإشكالات الميدانية، لكن المفاوضات الحقيقية والعميقة ستدور في حضن لجنة أخرى، رفيعة المستوى السياسي، وستدور مناقشاتها حول المصالح والشراكات السياسية والاقتصادية.
النموذج السوري الذي يريد الأميركيون والإسرائيليون اعتماده في لبنان يقوم على مستوى وزير الخارجية السوري ووزير الأمن القومي الإسرائيلي. وفي اجتماعات الأمم المتحدة في الخريف، كان مفترضاً حصول لقاء قمة بين الطرفين، أي بين بنيامين نتنياهو وأحمد الشرع، لولا بروز خلافات عميقة حول مقدار التمدد الإسرائيلي في الجنوب السوري أرجأت هذا اللقاء. بالمفاوضات السياسية والاقتصادية، يريد الأميركيون والإسرائيليون أن يَخرجوا من بيت «اليونيفيل» في الناقورة. والحديث الغالب يدور حول لقاءات سياسية ثلاثية تُعقد في مكان ما في أوروبا. وتبرز قبرص كخيار أول نظراً إلى قرب المسافة وسرعة الوصول إليها، وإلى تداخل قبرص أساساً في ملفات الحدود والغاز مع لبنان وإسرائيل. وربما يتمّ اختيار مكان آخر، في سويسرا أو ألمانيا أو سواهما، لكن الأميركيين يفضّلون استبعاد فرنسا، لأنّهم يريدون مفاوضات سياسية «خشنة» مع لبنان، بعيداً من «رومانسية» الديبلوماسية الفرنسية. ففي النموذج السوري، المفاوضات تناقش الأمن مقابل السياسة والاقتصاد والإعمار، ولا مكان إطلاقاً لسلاح غير شرعي. وهذا ما أتاح إنهاء ملف «قسد»، مبدئياً.
ليس معروفاً مدى استعداد الدولة في لبنان للانخراط في مفاوضات وفق النموذج السوري. ولكن، في دافوس، سُئل رئيس الحكومة نواف سلام عن احتمال إشراك مدنيين آخرين في المفاوضات مع إسرائيل، إضافة إلى السفير سيمون كرم، فقال: «مستعدون. قد يكونون متخصصين في القانون أو الجغرافيا أو الطبوغرافيا وسوى ذلك».
لكن هذا المستوى من الاستعداد يبقى أدنى بكثير من المطلوب إسرائيلياً وأميركياً. والدولة اللبنانية تجد نفسها في مأزق بين 3 تحدّيات هائلة: رفض «الحزب» الدائم لكل الشروط وآلة الدمار الإسرائيلية والعقوبات الأميركية، لكنها لم تعد تملك رفاهية الرفض. فالتهديد الإسرائيلي بتوسيع رقعة الأرض المحروقة شمال الليطاني وصولاً إلى خط الأولي وما بعده، وحصار واشنطن القاتل، يجعلان من قبول التفاوض السياسي خياراً وحيداً للنجاة.
وحتى «حزب الله»، الذي يرفع سقف الرفض، يجد نفسه اليوم وحيداً في مواجهة الإجماع الدولي والإقليمي على دخول مسار التسوية، وهو إذ يتأهب لتنظيم جولات تصعيد شعبية في الشارع ضدّ الدولة وأركانها، فإنّه سيزيد من حدّة المآزق اللبنانية الداخلية، لكنه لن يستطيع التملص من الاستحقاق المفروض خارجياً، أي الانتقال من كونه تنظيماً عسكرياً إلى كونه حزباً سياسياً. وسيكون على راعي التسويات، رئيس مجلس النواب نبيه بري، أن يعثر على «أرنب» جديد يُخرجه من القبعة، إذا قرّرت واشنطن المضي في تصفية حسابها مع «الحزب»، كجزء من مخططها الرامي إلى إضعاف طهران وحلفائها على رقعة الشرق الأوسط.
ستكون للمفاوضات السياسية الثلاثية نتائج حاسمة في لبنان. ولكن، سيكون على الجيش اللبناني أن يبدأ المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح، الرامية إلى تفكيك المخازن في شمال الليطاني، باعتباره شرطاً مسبقاً لنجاح المفاوضات. وستعني المفاوضات عملياً تحوّل «حزب الله» كياناً مدنياً مماثلاً للكيانات الأخرى في البلد. وفي المقابل، ستحصل الدولة على حزمة مساعدات اقتصادية، أي ما يمكن وصفه بـ«خطة مارشال» لبنانية، تضمن استقرار «اليوم التالي» في لبنان، بعد فك ارتباطه نهائياً بالمحور الإيراني، ودمجه في «منظومة الاستقرار المتوسطي» التي ترعاها واشنطن.
وقد أعلن بيان السفارة الأميركية بوضوح عن هذا الاتجاه، بالكشف عن لقاء سفراء واشنطن في لبنان وإسرائيل والأردن، خلال عطلة نهاية الأسبوع، في عمّان. وفي الواقع، يبدو لبنان على وشك الدخول في المفاوضات الموعودة. ورحلة قائد الجيش إلى واشنطن هي على الأرجح من العلامات الأولى للتغير المنتظر أو أنّها ستحمل «الكلمة السرّ». فإما أن يعود بـ«الضوء الأخضر» لتنفيذ حصرية السلاح وبقية الأجندة، وإما أن يغرق لبنان في حرب إسرائيلية مدمّرة وحصار أميركي خانق.

theme::common.loader_icon