هل ينجح بري في «التطبيع» بين عون و«الحزب»؟
هل ينجح بري في «التطبيع» بين عون و«الحزب»؟
طارق ترشيشي
Saturday, 24-Jan-2026 08:02

الخلاف السائد بين رئيس الجمهورية جوزاف عون و«حزب الله» لم يعد مجرّد تباين في وجهات النظر السياسية، بل تحوّل إشكالية بنيوية، تمسّ جوهر العلاقة بين الدولة اللبنانية وحركة مقاومة مسلحة تملك قرارها العسكري والاستراتيجي خارج مؤسسات الدولة. غير أنّ هذا المشهد المتوتر، على حدّته، لا يزال مفتوحاً على احتمالات الإحتواء، خصوصاً بعد دخول رئيس مجلس النواب نبيه بري ووسطاء من أصدقاء مشتركين وتقليديين على الخط، لإعادة وصل ما انقطع بين الجانبين.

واضحٌ انّ الرئيس عون ومنذ تولّيه رئاسة الجمهورية، يسعى إلى تثبيت معادلة تقوم على أولوية الدولة ومؤسساتها، وخصوصاً لجهة ما يتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة والقرار العسكري. هذا الطرح، وإن جاء بصيغة هادئة وغير صدامية، اصطدم مباشرة بجوهر عقيدة «حزب الله» السياسية والعسكرية، التي ترى في السلاح ضماناً استراتيجياً لا يخضع لموازين السياسة الداخلية.

 

حتى الآن، حافظ الطرفان في خلافهما على سقف سياسي مضبوط، من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، إلاّ أنّ استمرار التراكمات وارتفاع منسوب التصعيد السياسي قد يفتحان الباب أمام توترات أوسع إذا تُرك الخلاف بلا إدارة.

 

وفي هذا السياق، يبرز دور الرئيس بري كوسيط ضرورة لا وسيط ترف، وهو، في نظر القاصي والداني، يشكّل أبرز «صمّامات الأمان» في النظام وفي الحياة السياسية اللبنانية. فالرجل الذي يتمتع بتحالف عميق مع «حزب الله» من جهة، وبقنوات مفتوحة وتاريخية مع رئاسة الجمهورية والمؤسسة العسكرية من جهة أخرى، يمتلك هامش حركة لا يتوافر لسواه من الفاعلين. ولذلك فإنّ مساعيه إذا قُدّر لها النجاح، لا تهدف إلى معالجة جذرية للخلاف، بل إلى إعادة تطبيع العلاقة بين عون و«الحزب» وضبط إيقاعها، عبر خفض التوتر، وإعادة النقاش إلى الغرف المغلقة، ومنع تحوّله مواجهة سياسية مفتوحة أو أزمة حكم، لبنان في غنى عنها في هذه المرحلة الشديدة الحساسية التي يمرّ فيها.

 

وإلى جانب بري، يؤدي أصدقاء مشتركون، وهم مرجعيات وشخصيات سياسية وأمنية، دور «ديبلوماسيّة الظل» مستفيدين من الثقة المتبادلة لدى الطرفين. وهؤلاء لا يسعون إلى تسويات كبرى، بل إلى اقامة مساحات تفاهم مرحلية تقضي،على الأقل، بتأجيل القضايا الخلافية الكبرى، مقابل الحفاظ على الإستقرار السياسي والأمني الداخلي. وهذا النمط من الوساطات، وإن بدا ضعيفاً أو هشاً للوهلة الأُولى، أثبت ماضياً وحاضراً فعاليته في بلد كلبنان، حيث غالباً ما تُدار الأزمات بأسلوب التبريد أو بالحلول الجزئية لا بالحلول النهائية.

 

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في المضمار هو: إلى أين تتّجه المواقف والأوضاع؟

 

إنّ نجاح مساعي بري والأصدقاء المشتركين قد يفضي إلى إعادة تفعيل قنوات التواصل المباشر بين عون و«حزب الله»، وتخفيف حدّة الخطاب السياسي المتبادل، وتحييد الخلاف عن عمل الحكومة والمؤسسات الدستورية. لكن هذا النجاح يبقى مشروطاً بعاملين أساسيين: استعداد الرئيس عون للفصل بين المبدأ والتوقيت، واستعداد «حزب الله» للإعتراف بحدود الواقع الداخلي وعدم تحويل الخلاف معركة «كسر عظم»، وغالب الظن انّ الجانبين لا يرغبان في وصول الخلاف بينهما إلى هذا المستوى، لإدراكهما خطورة المرحلة.

 

وانطلاقاً مما تقدّم، يمكن القول إنّ لبنان يقف اليوم أمام خيارين: إما إدارة الخلاف بعقل بارد عبر وساطة داخلية يقودها بري، وإما تركه يتفاقم حتى يتحوّل أزمة نظام جديدة. ولكن في بلد يقوم توازنه الهش على التسويات، لا يبدو خيار الوساطة ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية لتفادي انزلاقٍ لا يقدر لبنان على تحمُل كلفته. فهل تنجح جهود برّي في إعادة تطبيع العلاقة بين عون و«الحزب»؟

 

الجواب ليس محسوماً، لكن النجاح لا يزال ممكناً قبل فوات الأوان، وربما يُعالج الخلاف بحصول اتفاق على الشروع قريباً في اتخاذ الإجراءات والترتيبات السياسية وغير السياسية اللازمة، لوضع «استراتيجيّة الدفاع الوطني» التي استُبدلت تسميتها بـ«استراتيجيّة الأمن الوطني» في خطاب القَسَم الرئاسي والبيان الوزاري للحكومة. فهذه الاستراتيجيّة يؤيدها «حزب الله»، ويرى فيها الوسيلة لتحديد مصير سلاح المقاومة شمال الليطاني وكل لبنان، ويعتبرها شأناً داخلياً بين اللبنانيين، لا ينبغي للخارج أن يتدخّل فيها.

theme::common.loader_icon