هكذا انهارت الأحلام التاريخية بـ«الدولة الكردية»
هكذا انهارت الأحلام التاريخية بـ«الدولة الكردية»
جورج شاهين
Saturday, 24-Jan-2026 07:32

أحيت الأحداث المتسارعة في المناطق التي تديرها «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) في شمال شرق سوريا، الحديث عن الحلم الكردي الطويل بـ «دولة مستقلة»، بعدما انهارت مشاريعها اكثر، نتيجة الضربات القاضية منذ قرون عدة. ومهما اختلفت الظروف التاريخية التي ادّت إلى النتيجة عينها، لا بدّ من الإشارة إلى بعض التجارب التي تلت انهيار الامبراطورية العثمانية وانتهاء مرحلة الانتداب وصولاً إلى استقلال دول المنطقة حتى تجربتي كردستان العراق و«قسد».

قبل أن تعيش مناطق سيطرة «قسد» في محافظات الرقة وإدلب والمناطق الشمالية ـ الشرقية من أرياف دير الزور غرب مجرى نهر الفرات والحسكة والقامشلي ومعها مدينة كوباني «عين العرب» على الحدود التركية - السورية، نوعاً من الاستقرار المالي والسياسي والأمني، وصولاً إلى نوع من الاستقلال الذاتي الموقت، كانت كل التجارب التي تحدثت عن دولة كردية تجمع شتات 35 مليون كردي تقريباً يتوزعون على دول عدة في سوريا، تركيا، العراق وإيران، قد سقطت الواحدة تلو الاخرى.

 

ومن دون العودة إلى المراحل السابقة، يمكن التوقف عند تلك التي تلت تفكّك السلطنة العثمانية وقيام سلطات الانتداب، كانت التجارب الكردية التي عبرت مناسبات عدة، تحاكي أحلام الملايين منهم بالاستقلال، وخصوصاً عند رسم خريطة جديدة لدولها بحدودها المتداخلة، فأبقتهم مشتتين بين مجموعة من الدول، ولم ينجح قادتهم في استغلال أي فرصة تسمح بقيام هذه الدولة، نتيجة مجموعة من المصالح التي جمعت الخصوم والأعداء، لقاء إخماد اي ثورة تنحو إلى قيام كيان مستقل.

 

وإن عاد الأساتذة في تاريخ المنطقة، إلى مجموعة من التجارب منذ بداية القرن الماضي، بعدما أرست الحرب العالمية الأولى أوزارها في اتجاه سيطرة الحلفاء، ولا سيما البريطانيين والفرنسيين على دول شرق المتوسط حتى العراق، وبدء تقاسم الدول التي خرجت للتو من السلطنة العثمانية، كانت سلسلة مؤتمرات ولقاءات، أهمها مؤتمر باريس الذي عُقد في العام 1919 الذي ناقش ما سُمّي «أسس السلام العالمي»، في ضوء تصريح الرئيس الأميركي الثامن والعشرين توماس وودرو ويلسون، الذي قال: «يحق للشعوب أن تقّرر مصيرها»، وما عُرف بوثيقة مؤتمر «سيفر». تطلّع الحلفاء إلى مطالب البعض من الدول ولم ينظر المؤتمر في المذكرتين الكرديتين اللتين رفعهما شريف باشا باسم عشائرهم وجمعياتهم النافذة، مرفقة بخريطتين لكردستان، وطلب تشكيل لجنة دولية لتخطيط الحدود بموجب مبدأ القوميات، لتصبح كردستان دولة مستقلة.

 

وجاءت التطورات المتلاحقة لتتجاهل هذه الوثيقة، وتبخّرت الأحلام الكردية بعد 18 شهراً بضغوط بريطانية وتركية مورست في مؤتمر لندن 1921 تحت شعار رفعه كمال أتاتورك، وعبّر فيه عن مخاوفه من استغلال الاتحاد السوفييتي النزاع لمصلحة نفوذه في المنطقة، فألغيت معاهدة «سيفر» وانتهت العملية الجيو – سياسية في معاهدة لوزان عام 1923، فأُعطيت «الحقوق الوطنية» للأكراد في تركيا. وجنّدت حملة كبيرة بريطانية ومحلية في العراق للقضاء على التحرك الكردي المطالب بالاستقلال في السليمانية عام 1924 بعد أشهر عدة من الانتفاضة.

 

وبعد سنوات من النزاع ترافقت مع خطوة منح الزعيم الروسي فلاديمير لينين الأكراد ﻋﺎﻡ 1923 جمهورية ﺫﺍﺗﻴﺔ الحكم في ﺃﺫﺭﺑﻴﺠﺎﻥ، وﻋﺎﺻﻤﺘﻬﺎ مدينة لاتشين، ما لبث أن قُضي عليها في عهد ستالين ﻋﺎﻡ 1929. وبعد ﺍﺗﻔﺎﻗﻴﺔ «سايكس بيكو» قُسّمت كردستان ﺇﻟﻰ ﺧﻤﺴﺔ أجزاء، وتمّ ﺇﻟﺤﺎﻕ كل جزء بدول: سوريا، العراق، تركيا، إيران، وﺃﺭﻣﻴﻨﻴﺎ. وامتد الوضع إلى ان نال اكراد العراق حكماً شبه ذاتي بمبادرة من نائب الرئيس العراقي صدام حسين عام 1979، واعتمدت اللغة الكردية لغة رسمية في البلاد.

 

وبعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، توسعت مطامع الاكراد في مناطق متنازع عليها في كل من ديالى وكركوك والموصل وصلاح الدين، قبل أن تنحسر إلى كردستان التي دُعي 3،5 ملايين من اهلها إلى المشاركة في استفتاء 25 ايلول 2017 من اجل الاستقلال، فجاءت النتائج عكسية، وخسرت المنطقة استقلالها الذاتي وتراجعت المكاسب الجغرافية والسياسية والاقتصادية، ولا سيما حقها باستغلال حقول النفط التي حصلت عليها بعد احتلال العراق عام 2003.

 

وتماثلاً بالتجارب العراقية السابقة رغم فشلها، حاول أكراد سوريا في 17 آذار 2016، إقامة نظام فيدرالي في مناطق سيطرتهم شمال البلاد، خلال مؤتمر عُقد في مدينة رميلان في محافظة الحسكة، وسط معارضة دولية ومحلية، ولم تعط الأهمية لقرار الرئيس السوري بشار الاسد بتوفير الدعم للمؤسسات الرسمية فيها ومنحهم الهوية السورية. وتفوق تدخّل واشنطن التي وفّرت للميليشيات الكردية كل وسائل الدعم المادي والعسكري تحت عنوان محاربة الإرهاب المتمثل بـ«داعش»، على رغم من المعارضة التركية، وشاركت إسرائيل في دعمهم لاحقاً. فكانت المنازعات على طول الحدود المشتركة، وضمّت تركيا اكراد المنطقة إلى لائحة الاحزاب المحظورة منذ اربعة عقود، ومنها حزب العمال الكردستاني بقيادة السجين لديها عبد الله اوجلان، فكانت سلسلة من الحروب حاصر خلالها الجيش التركي المنطقة الكردية من طرف واحد.

 

وعلى ضوء التطورات الأخيرة التي أنهت الكيان الكردي في ايام قليلة، ليس في ما سبق من تطورات متشابهة، سوى إشارة إلى حلم كردي مستحيل بقيام دولة مستقلة، في منطقة تشابكت فيها المصالح العشائرية والطائفية والمذهبية، ولم ترقَ بعد إلى مرتبة المواطنة. وطالما انّ الوضع على ما هو، سيعيد التاريخ نفسه كل فترة إلى أن تُقام الدول التي توفر لمواطنيها حقوقهم الوطنية، بمعزل عن طوائفهم ومذاهبهم وقومياتهم، من دون القدرة على تحديد المهل القصوى لتحقيقها.

theme::common.loader_icon