لماذا تشكّل الصحة الأيضية مفتاحاً خفياً لصحة الجسم؟
لماذا تشكّل الصحة الأيضية مفتاحاً خفياً لصحة الجسم؟
Saturday, 24-Jan-2026 07:05

تحوّلت «الصحة الأيضية» في السنوات الأخيرة إلى مصطلح شائع في الخطاب الصحي والإعلامي، حتى بات يُستخدَم كشعار عام للعافية وطول العمر. يتحدّث عنها أطباء ومسؤولون ومؤثّرون، لكنّ معناها الدقيق لا يزال ملتبساً لدى كثيرين، على رغم من أنّ آثار تدهورها واضحة وقاسية على الجسم.

ببساطة، تشير الصحة الأيضية إلى كفاءة الجسم في استخدام الطاقة وتخزينها وتنظيمها. وغالباً ما تُعرَّف بشكل غير مباشر، أي من خلال غياب «متلازمة الأيض»، وهي مجموعة اضطرابات مترابطة تشمل ارتفاع محيط الخصر، ارتفاع الدهون الثلاثية، انخفاض الكوليسترول الجيد، ارتفاع ضغط الدم، وارتفاع السكر في الدم.

 

وجود 3 من هذه العوامل أو أكثر يعني دخول الشخص في دائرة الخطر، مع ما يرافق ذلك من زيادة احتمالات الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية والسكّري من النوع الثاني.

 

اللافت أنّ الغالبية العظمى من البالغين لا يتمتعون بصحة أيضية جيدة. تشير تقديرات طبية حديثة إلى أنّ نحو 90% من البالغين يعانون شكلاً من أشكال الاضطرابات القلبية-الكلوية-الأيضية، وهي مظلة تجمع السمنة والسكّري وأمراض القلب والكلى.

 

العامل الأكثر تأثيراً في الخلل هو تراكم الدهون الزائدة، لا سيما في منطقة البطن. فالخلايا الدهنية خُلقت لتخزين الطاقة، لكن عند الإفراط المزمن في استهلاك السعرات، تتجاوز هذه الخلايا قدرتها التخزينية، فتبدأ الدهون بالتراكم في أعضاء حساسة مثل الكبد والعضلات. هنا تبدأ المشكلة الحقيقية: إفراز مواد التهابية تعوق عمل الإنسولين، ما يؤدّي إلى مقاومة الإنسولين، ويغذّي بدوره حلقة مفرغة من السمنة واضطراب الأيض.

 

ولا يقتصر الأمر على نمط الحياة فقط؛ فالوراثة تلعب دوراً أساسياً في شكل الجسم وطريقة تخزين الدهون. الأشخاص ذوو الشكل «التفاحي»، الذين تتجمّع الدهون لديهم في البطن، أكثر عرضة للمشكلات الأيضية من أصحاب الشكل «الكمثري»، حيث تتركّز الدهون في الوركَين والفخذَين. ويعود ذلك إلى اختلافات جزيئية بين الدهون الحشوية والدهون تحت الجلد، وتأثيرها المتباين على الإلتهاب ووظائف الجسم.

 

غالباً ما تكون السمنة بمثابة «ضوء تحذير» مبكر، يشبه إشارة فحص المحرّك في السيارة. فهي تستدعي مراقبة ضغط الدم ومستويات السكّر والكوليسترول، لأنّ الخلل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتسلّل تدريجاً. قد يبدأ بارتفاع طفيف في الضغط أو السكّر، لكنّه مع الوقت يتفاقم ليُصيب أكثر من جهاز حيَوي.

 

ومع استمرار الخلل الأيضي، تتراكم الأضرار: تصلّب الشرايين، فشل القلب والكلى، تلف الكبد الدهني، بل وارتفاع خطر الإصابة بأنواع عدة من السرطان. لذلك، تبقى الوقاية هي العلاج الأنجع. الوصول إلى وزن صحي، اعتماد نمط حياة نشط، الإقلاع عن التدخين، وتحسين جودة الغذاء والنوم، كلّها خطوات أساسية. وفي الحالات التي لا تكفي فيها هذه التدابير، قد تشكّل العلاجات الدوائية الحديثة أداة فعّالة لكسر الحلقة قبل أن تترسخ.

 

الصحة الأيضية ليست شعاراً فضفاضاً، بل بوصلة مبكرة تنبّهنا إلى مسار صحّتنا... قبل فوات الأوان.

theme::common.loader_icon