بعد ما سُمِّي بالهندسات المالية، نحن اليوم أمام مرحلة أخطر: تشريع السرقة تحت عنوان "العدالة". عدالة تُفصَّل على قياس السارق، ويُطلَب من الضحية أن يدفع ثمن الجريمة، لا مرّةً واحدةً بل مرّاتٍ.
بعض المروِّجين المهتمِّين، يطرحون بكل برودة أعصاب فكرة ما يسمّونه "توزيع الخسارة" على أصحاب الودائع، أي على الضحايا أنفسهم. فبرأيهم، مَن يملك وديعةً أكبر في المصرف يجب أن يُقاصَص ويُؤخذ منه أكثر، وكأنّ حجم الوديعة جريمة، وكأنّ الادّخار والعمل والاغتراب والتعب تهمةً تستوجب العقاب.
لا أحد من هؤلاء يتوقف عند الأثر الكارثي لهذا الطرح على الاقتصاد.
فهذا منطق يعاقب الإنتاج، ويقتل المبادرة، ويلغي فكرة العمل الطويل الأمد. ويُضاف إلى ذلك، أنّ ما يُطرَح من "استرداد الودائع" يقتصر على الـ100 ألف وما دون.
لكن حتى لو أُعيدت الوديعة كاملةً، فإنّ ذلك لا يُعَدُّ عدالةً. فإعادة 100 ألف بعد سنواتٍ من الاحتجاز، ومنع الفوائد، وانخفاض القدرة الشرائية، تعني عملياً إعادة نصف الحق فقط. فالحدُّ الأدنى العادل اليوم هو ما لا يقلّ عن 200 ألف، تعويضاً عن الزمن والقيمة المهدورة. وبهذا المعنى يكون المودِع قد سُرق نصف أمواله، ولكن هذه المرّة باسم "الحل".
أمّا الودائع الكبيرة، التي يضعون مهلاً زمنيةً لإعادتها تصل إلى 20 عاماً... عِشْ يا كديش... ووفق هذا المنطق أيضاً، يجب "التقاصص" من المودِع، لا من السارق.
يجب تحميل ما يسمّونه بالخسارة لِمَن وضع أمواله في لبنان، لا لِمَن نهب ودمَّر الاقتصاد اللبناني. ربما يرى هؤلاء المروِّجون، ووفق هذا التفكير العبقري، أنّ أصحاب المصارف والمسؤولين عنهم ليسوا لصوصاً بل روّاد ابتكار.
فقد تعبوا ليل نهار في هندسة السرقة، وأبدعوا في اختراع أدواتها، وحققوا إنجازاً تاريخيّاً بإيصال البلد إلى الانهيار الكامل. ولذلك، من الظلم الفادح - بنظرهم - تحميلهم أي خسارة.
بل من أبسط حقوقهم أن يخرجوا بثرواتهم سالمةً، وربما مضاعفةً، مع شهادة تقدير، ونيشان شرف، وربما تمثال صغير عند مدخل كل مصرف، تقديراً لجهودهم في أكبر عملية نهبٍ منظَّمٍ شهدها لبنان.
وربما، في قرارة أنفسهم، يغار هؤلاء أيضاً من رياض سلامة، فالرجل حائز على عددٍ كبيرٍ من الجوائز وشهادات التقدير من البنك الدولي، ومن جهاتٍ دوليةٍ ومحليةٍ، كُرِّم فيها على "إنجازاته" المالية.
ولذلك، ربما يجب أن نطالب، من باب العدالة، بمنح أصحاب المصارف والمسؤولين عنهم جوائز مماثلةً، كَي لا يشعروا بالغُبن أو التمييز. جوائز على حسن إدارة الإنهيار، وأوسمةً على سرقة الودائع، وشهادات تقدير على تحويل بلدٍ كاملٍ إلى مختبر للفشل المالي النموذجي.
فلا يجوز أن ينفرد شخص واحد بكل هذا المجد، بينما شركاؤه في الإنجاز يُتركون بلا تكريم. وربما يجب الاعتراف بأنّ لدينا "أبطالاً" من نوع آخر، أبطالاً في نهب بلدٍ كاملٍ، ويجب أن يأخذوا حقهم كاملاً غير منقوص.
هكذا تتحوّل العدالة إلى مهزلة، وتتحوّل السرقة إلى سياسة عامة، ويُطلَب من الضحية أن تُصفِّق، وأن تشكر، وأن تدفع.