اقتصاد «السراب»: هل يبتلع «السلام المسلّح» فجوة المليارات في لبنان؟
اقتصاد «السراب»: هل يبتلع «السلام المسلّح» فجوة المليارات في لبنان؟
شربل البيسري
Wednesday, 21-Jan-2026 07:27

بينما كانت شوارع بيروت تترقب، في أعقاب وقف إطلاق النار عام 2024، تلك «الصافرة» التي ستعلن انطلاق طفرة إعمار تُعيد للبلاد بريقها، اصطدمت هذه الأحلام بجدار الواقع المالي الصلب.

اليوم، ونحن على أعتاب عام 2026، يبدو المشهد الاقتصادي اللبناني عالقاً في «برزخ» خطير؛ إذ تتقاطع الأرقام المتفائلة للنمو مع هيكل مصرفي متهالك يرفض الاعتراف بالهزيمة، مهدِّداً بتحويل التعافي الموعود من مشروع نهضة إلى مجرّد «نمو دفتري» لا يغني ولا يسمن من جوع.

 

ضريبة «السلام المسلّح» استقرار بلا عائد

يدخل لبنان اليوم مرحلة يمكن تسمِيَتها بـ «السلام المسلّح»؛ وهي حالة من السكون الميداني الذي يفتقر إلى الضمانات السياسية. وعلى رغم من أنّ هذا الهدوء أخرس آلة الدمار، إلّا أنّه يفرض «ضريبة غير مرئية» تتجاوز الخسائر المباشرة. فالمستثمر الأجنبي - وصناّع القرار في كبريات شركات الإنتاج والاستثمار - لا يبحثون عن صمت المدافع فحسب، بل يفتشون عن بيئة قانونية ومالية يمكن التنبّؤ بمسارها.

 

وهنا تكمن المفارقة: كيف لرأس مال «جبان» بطبعه أن يغامر في بيئة لا تضمن له مخرجاً آمناً لأرباحه؟ هذا التردُّد هو ما يحصر النشاط الاقتصادي اليوم في قطاعات استهلاكية «طفيلية» لا تبني اقتصاداً مقاوماً، بل تزيد من ارتهان البلاد للخارج.

 

المصارف وحرب «الإنكار»: الفجوة التي لا تندمل

 

العقدة الكأداء لا تزال تكمن في قلب «المربع المالي». فعلى رغم من مرور سنوات على السقوط الكبير، لا يزال القطاع المصرفي يخوض معركة «إنكار» شرسة حيال فجوة الـ 70 مليار دولار. هذا الرفض الممنهج لتوزيع الخسائر ليس مجرّد «عناد محاسبي»، بل هو العائق الجوهري أمام أي ورشة إعمار حقيقية.

 

إنّ منظور صندوق النقد الدولي هنا لا يحتاج إلى عناء لتفسيره: لا إعمار بلا ائتمان، ولا ائتمان بلا مصارف سليمة. ومن دون هذه المعادلة، سيبقى المقاول اللبناني، المبدع في قطاع الإنتاج، والمستثمر الصغير، يلهثون وراء «أوكسيجين السيولة» في سوق سوداء تنهش هوامش ربحهم قبل أن تبدأ.

 

نمو 2026: هل هو تعافٍ أم «سراب إحصائي»؟

حين يتحدّث البنك الدولي عن نمو طفيف في 2026، يجب ألّا نقع في فخ «النشوة الرقمية». فالاقتصاديّون يدركون أنّ هذا ليس صعوداً نحو القمة، بل هو «ارتداد من القاع». فبعد انكماشٍ نهش 60% من حجم الاقتصاد، تصبح أي حركة بسيطة في الأسواق بمثابة نمو إيجابي «نظرياً»، لكنّه في الحقيقة «نمو فقير»؛ لا يخلق وظائف، ولا يُرمِّم طبقة وسطى سُحقت، بل يغذي «اقتصاد الكاش» الذي بات يبتلع نصف الناتج المحلي، محوّلاً الدولة إلى «شاهد زور» على دورتها المالية.

 

الجراحة المؤجّلة

لبنان اليوم أمام خيارَين لا ثالث لهما: إمّا الاستمرار في سياسة «الهروب إلى الأمام» والقبول بفتات النمو تحت مظلّة سلام هش، وهو ما يعني استنزاف ما تبقّى من كفاءاتنا البشرية التي تهاجر يومياً؛ أو الشروع في «جراحة هيكلية» تبدأ بالاعتراف بالخسائر كخطوة إجبارية لاستعادة الثقة المفقودة.

 

من دون هذه الجراحة، ستبقى «طفرة الإعمار» مجرّد عنوان جذاب في المانشيتات الصحافية، وسيبقى الاستقرار الاقتصادي رهينة لتوازنات سياسية قد تتبخّر عند أول اختبار حقيقي.

theme::common.loader_icon