رفع الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم السقف في خطابه الأخير، مستخدِماً نبرة حادّة في مخاطبة بعض الداخل. فما هي حقيقة رسائله؟ ولماذا تعمّد توجيهها بلهجة شديدة؟
من الواضح، أنّ الشيخ قاسم وجد أنّ هناك حاجة للردّ دُفعةً واحدة على دعوة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون «الحزب» إلى التعقُّل، وعلى تبرير وزير الخارجية يوسف رجي للإعتداءات الإسرائيلية، وعلى مُجمَل الأصوات الداخلية التي تنادي بحصر السلاح في منطقة شمالي الليطاني بعد إنجاز المرحلة الأولى.
بهذا المعنى، يعتبر القريبون من «الحزب» أنّ هجوم قاسم يأتي في معرض الدفاع بالدرجة الأولى، ويندرج في إطار ردّ الفعل وليس الفعل ابتداءً، خصوصاً بعدما تراكمت لدى البعض المغالطات السياسية التي تحتاج إلى تصحيح لئلّا تُكرَّس كحقائق ثابتة يُبنى عليها في تحديد الخيارات والمواقف.
ويُشير هؤلاء إلى أنّ خطاب قاسم أعاد في حيّز منه تثبيت الوقائع الموضوعية التي يجري أحياناً طمسها وتجاوزها في ما يتصل بحقيقة مضامين اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي تنحصر مفاعيله ضمن جنوبي الليطاني، حيث نفّذ «الحزب» كل ما يتوجّب عليه في مقابل تحلّل الكيان الإسرائيلي من جميع التزاماته.
أمّا بالنسبة إلى نطاق شمال النهر، فقد جدّد قاسم اقتناعه بأنّ السلاح فيه يخضع حصراً إلى أحكام التوافق الوطني، في اعتباره شأناً لبنانياً يُعالَج ضمن تفاهم حول «استراتيجية الأمن الوطني» أو الاستراتيجية الدفاعية، مع إبداء الإستعداد لمقاربتها بإيجابية.
واستناداً إلى هذه القواعد، أراد قاسم، وفق القريبين من «الحزب»، توجيه الرسائل الآتية:
- إنّ «الحزب» لا يمكنه الصمت إزاء تصاعد الإعتداءات والتهديدات الإسرائيلية، ولذا كان لا بُدّ من رفع الصوت تحذيراً وتنبيهاً.
- إنّ كل هوامش المناورة الرسمية في مواجهة الضغوط الأميركية والخارجية استُنرِفَت واستُهلِكَت عبر مجموعة قرارات وإجراءات غير مناسبة، وبالتالي ينبغي التوقف عن تقديم التنازلات المجانية، بعدما ثَبُتَ أنّ كل خطوات الدولة في اتجاه واشنطن وتل أبيب كانت بلا أي مردود أو مقابل.
- إنّ الدولة التي تفاوض وتقود المسار الديبلوماسي يجب أن تترسمل بخطاب قاسم لتعزيز أوراقها التفاوضية، ولإفهام الخارج الذي يضغط عليها لينتزع منها تنازلات إضافية، أنّها معنية بمراعاة حساسيات الواقع اللبناني وخصوصيّته لئلّا ينفجر تحت الضغط الزائد.
- إنّ الحزب الذي انتظر عبثاً لأيام عدة صدور موقف رسمي يُصوِّب تصريحات وزير الخارجية ويلجمها، اضطر في نهاية المطاف إلى أنّ يتصدّى له مباشرةً عبر الأمين العام بعد سكوت المسؤولين، خصوصاً أنّه أعطى من موقعه الوزاري مشروعية وذرائع للإعتداءات الإسرائيلية، الأمر الذي لم يكن في الإمكان التغاضي عنه.
- إنّ التحذير من أنّه لن يبقى حجر على حجر إذا تمّ الذهاب بعيداً في استهداف «المقاومة» يرمي إلى نسف أوهام مَن يظنّ أنّ هناك فرصة للتخلّص من «المقاومة» وسلاحها، واستثمار ذلك في تعديل التوازنات الداخلية وتحقيق مكاسب سياسية، في حين أنّ التوازنات اللبنانية هي أشدّ تعقيداً، وفي حال غرقت السفينة، فستغرق بركابها مجتمعين وليس بمكوّن واحد. ومن هنا، يكتسب تنبيه قاسم بُعداً ردعياً لمنع أي مغامرة غير محسوبة قد يندفع إليها المتهوّرون، وفق تأكيد المحيطين بـ«الحزب».